آخر تحديث:13:36(بيروت)
الثلاثاء 14/05/2019
share

عندما أصبح "حزب الله" بيننا

قاسم مرواني | الثلاثاء 14/05/2019
شارك المقال :
عندما أصبح "حزب الله" بيننا شاطئ صور (علي علوش)
أخيراً، إنه الصيف، بعد شتاء قاس. تنتظر بفارغ الصبر لكي تشغل سيارتك، صباح يوم الأحد، وتنطلق بها جنوباً. سيكون البحر دائماً إلى يمينك، ستتخطى العديد من الشواطئ، الجية ثم الرميلة وصيدا والصرفند، ولن يخطر ببالك أبداً أن تنصب خيمتك على أحدها وتستمتع بالشمس والسباحة. هدفك شاطئ صور، ولأجله ستستمر في القيادة لساعتين، في زحمة السير، تحت الشمس الحارقة.

محطتك الأولى في منطقة البص، عند مدخل صور، تستغرق بعض الوقت، باحثاً عن مكان تركن فيه سيارتك أمام متجر الشماس لتتبضع مشروباتك، الجعة أو النبيذ، بعض المكسرات والمياه، وقد تتجرع، بينما تقف على الرصيف بضعة أقداح من التيكيلا ثم تتابع سيرك. تشعر بالسعادة حالما تطأ قدماك رمال شاطئ صور الحارقة، حيث يحق لك أن تكون كما تشاء.

سترتدي صديقتك البيكيني، وتشربان البيرة سوية، وبالقرب منكما، رجل يدخن النارجيلة وزوجته ترتدي شادوراً أسود. لا تنزعج منهما ولا ينزعجان منك، بل على العكس تماماً، قد يتقدم الرجل إليك ويطلب منك قداحة، وستلبي طلبه بصدر رحب.

بالنسبة إلى الآتين من الشمال، من بيروت وجبيل والشوف، قد يبدو الأمر عادياً جداً، نمط حياة صيفي على الشاطئ، أكثر من عادي. أما بالنسبة إلينا، نحن الجنوبيين، فإننا ننظر إلى الأمر من زاوية مختلفة كلياً، وما نحصل عليه اليوم كتحصيل حاصل، قد نضطر لأن نقاتل لأجله بعد أعوام قليلة.

أنطلق في رحلتي إلى صور من قضاء بنت جبيل، أحد معاقل "حزب الله" الرئيسية، وسيكون عليّ أن أتخطى العديد من القرى المليئة بصور الشهداء والقادة، ولن يكون هناك مكان أشتري منه الكحول قبل وصولي إلى القرى الساحلية، حيث معقل "حركة أمل".

في ما مضى، قبل أن يُطبق "حزب الله" قبضته على قرانا الجبلية، كان من الممكن أن نجد العديد من المحال التي توفّر الكحول. لكن أصحابها أجبروا جميعاً على الإغلاق، ومَن قاوم، أحرق متجره. بات علينا، للحصول على حاجاتنا من المشروبات الكحولية، أن نقود لمسافات بعيدة حتى نصل إلى إحدى القرى المسيحية.

في العام 2011، كنا قد قررنا قضاء ليلة رأس السنة في مطعم التيروس في مدينة صور، حيث تُقدَّم المشروبات الكحولية،  وتحيي السهرة مجموعة من المطربين. قبل رأس السنة بأيام قليلة، "وقع" انفجار داخل المطعم. لم يتبنّه أحد، ولم تُعلَن أسبابه، لكننا كنا نعرف الفاعل جيداً ونعرف أهدافه. كانت الخطوة الأولى في اتجاه تغيير نمط الحياة في صور، أو على الأقل في جزء منها، ريثما تتم السيطرة على الأجزاء الأخرى. "حدث" الانفجار، ومع ذلك أصرّ الجميع على الحضور ليلة رأس السنة. وبعد فترة، أغلق المطعم أبوابه.

لا يقتصر الأمر على الكحول التي تشكّل بعضاً من الاستثناءات العديدة. في ما مضى، كنا قد اعتدنا إقامة الحفلات في القرية، كل نهاية أسبوع. تصدح الموسيقى في الساحة أو في حديقة أحد الأصحاب، ونرقص. أذكر جيداً تلك الأيام الجميلة من العام 2003، وما قبله. لكن فجأة، أثناء إحدى الحفلات، أتى مسؤول في "حزب الله" وقال: "هناك أربعون ألف شهيد في إيران بسبب الزلزال.. وأنتم تحتفلون؟".

كأن الشهداء قد عادوا ليقتصوا من الأحياء، ويأخذوا فرحنا ثمن بؤسهم في القبور. في أحد مطاعم القرية، كان مطرب يحيي حفلة خطوبة، أتت سيارة تقل عدداً من المسلحين، أنهوا الحفلة وأسكتوا الموسيقى بحجة إحياء ذكرى أحد الشهداء في قرية مجاورة. سكتت الموسيقى وحل مكانها دُعاء كُميل.

كنت أجلس وحيداً في ساحة القرية، وقت العشاء، حين يغادر الجميع لتناول عشائهم، أستمع بكآبة إلى دُعاء كُميل الآتي من مسجد القرية. كان صوته يرتفع يوماً بعد يوم، وكانت مكبرات الصوت تتكاثر على الأعمدة. كلما بنى أحدهم منزلاً، أضافوا مكبر صوت لأجله. كانوا يضعون دُعاء كُميل، كل ليلة جمعة. أما خلال شهر رمضان، فإنك تسمعه كل يوم. دُعاء كُميل ومجالس عزاء لا تنتهي. أتساءل أحياناً: لو كنت أنا الرب، هل كنت سأتحمل كل ذلك الكم من الكآبة والتذمر المتواصل؟

بالنسبة للذين يعيشون في بيروت أو الشمال أو خارج لبنان، الجنوب واحد، ولديهم كامل الرفاهية في أن يؤيدوا الطرف الذي يناسبهم، طالما أنه لا يؤثر في نمط حياتهم. بالنسبة إلينا، نحن الجنوبيين، هناك جنوبان كبيران، وإلى جانبهما جنوبات أخرى صغيرة. هناك جنوب حركة أمل، الساحل وصور بشكل رئيسي، حيث الزعران والقمع السياسي، لكن الكثير من الحرية الشخصية. وهناك جنوب حزب الله، حيث القمع على أنواعه. ومن الآن وحتى تسقط صور ضمن جنوب حزب الله، لدينا صيف حار لنستمتع به.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

قاسم مرواني

قاسم مرواني

كاتب لبناني

مقالات أخرى للكاتب