آخر تحديث:15:48(بيروت)
الإثنين 13/05/2019
share

"يوروفيجن": إسرائيل تتحدى المقاطعة بدعم أوروبي؟

شادي لويس | الإثنين 13/05/2019
شارك المقال :
"يوروفيجن": إسرائيل تتحدى المقاطعة بدعم أوروبي؟ مجسم في تل أبيب للإسرائيلية نيتا بارزيلاي التي فازت في "يوروفيجن" 2018
"هذه الليلة هي المباراة النهائية في كأس العالم للذوق الرخيص في الأغاني". كانت تلك طريقة صديقي اليوناني في تفسير الشعبية الهائلة لمسابقة "اليوروفيجن". 

كان ذلك قبل سنوات، وأقنعني حينها بمشاهدة العرض النهائي للمسابقة معه، وذهبنا إلى أحد البارات اللندنية التي خصصت شاشاتها الكبيرة لعرض "اليوروفيجن". وكان محقاً تماماً، فالأمر كان مسلياً إلى أقصى درجة. 

فالمسابقة الغنائية التي يتنافس فيها مغنون وفرق تمثل دول أوروبية في معظمها، لا يمكن أن تأخذ على محمل الجد. فالمستوى الفني للأغاني المشاركة كان متواضعاً إلى حدّ كبير، مع ملابس غريبة وبراقة، وإيقاعات طفولية. 

لكن الحماس الذي تملّك الحضور من حولنا، مصدره طريقة التحكيم. فالجمهور في المنازل هو من يقرر الفائز، بالتصويت عبر الموبايل والرسائل النصية. وتتم عميلة التصويت عبر الحدود، ويشارك فيها الجمهور في أكثر من 40 دولة. 

شعر الإنكليز ليلتها بالإحباط والغُبن الشديد، فالجمهور الأوروبي لا يصوت لهم غالباً. وبجوارنا، ضرب شاب إنكليزي نصف مخمور، الطاولة أمامه، معترضاً: "لماذا يعاملونا كأننا لسنا أوروبيين؟!". أما الصديق اليوناني فلم يكن أقل شعوراً بالخيانة، فجمهور الدول البلقانية صوّت لروسيا في تلك الدورة، بدلاً من التصويت لليونان: "نحن بلقانيون، لكن بقية البلقان لا ينظر لنا كذلك". 

وقد اختزنت تلك الليلة من المرح ما جعلني أحرص على متابعة ليلة "يوروفيجن" كطَقس سنوي. وفي كل مرة، لم يكن الأمر متعلقاً بالموسيقى، بل بالسياسة، وبأكثر صورها سذاجة، وبتقسيمات هوياتية يبدو من السهل المراهنة عليها، لكن النتائج لطالما كانت مفاجئة. وكان هذا سر المتعة، فالأمر يبدو كمحاولة لتخمين التحالفات الأوروبية عشية الحرب العالمية الثانية، وتحولاتها من يوم إلى آخر. 

في العام الماضي، فازت بالمسابقة مغنية إسرائيلية، ولم تكن هذه المرة الأولى. فإسرائيل تشارك في المسابقة الأوروبية، منذ العام 1973، وفازت بها ثلاث مرات من قبل، واستضافت المسابقة مرتين في 1979 و1999، كلاهما في القدس، وتستضيف الآن مسابقة 2019 في تل أبيب. وبذلك يبدو وكأن إسرائيل تستضيف المسابقة مرة كل عشرين عاماً بالضبط. ولا تبدو مشاركة إسرائيل، ومعها أذربيجان وأستراليا، في المسابقة الأوروبية، خالية من الإيحاءات الثقافية ذات الطابع السياسي. فإسرائيل، بشكل أو بآخر، جزء من المشروع الأوروبي. 
والجدير بالذكر أن المغرب كانت الدولة العربية الوحيدة التي شاركت في المسابقة ولمرة واحدة، العام 1980، وانسحبت بعدها مُقررة عدم العودة مرة أخرى، فالأغنية المغربية نالت تقييماً مخجلاً جداً ومهيناً، إذ نالت 7 نقاط فقط، جاءت كلها من دولة أوروبية واحدة هي إيطاليا.  

ويأتي توقيت استضافة إسرائيل للمسابقة هذه المرة أكثر حساسية، من المرتين السابقتين، وبالأخص بعد إعلان أميركا الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل. ومنذ العام الماضي، انطلقت الدعوات لمقاطعة المسابقة في هذه الدورة، لكن الاستجابة حتى هذه اللحظة لا تذكر. فجميع المشاركين من 42 دولة أكدوا حضورهم، وأعلنت المغنية الأميركية، مادونا، أنها ستغني في العرض الافتتاحي، ومن المتوقع أن يصل 120 ألف سائح من أنحاء العالم لحضور المسابقة، في تأكيد على تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بأن بلاده هي "المكان الأكثر أماناً في العالم". 

أكثر من هذا، أصدر عدد من الفنانين البريطانيين، الأسبوع الماضي، بياناً يدين دعوات المقاطعة، ويصفها بأنها تحض على الكراهية والفرقة. بل بلغ نص البيان من الوقاحة إلى أن يدعي بأن المقاطعة ستكون "إهانة" للفلسطينيين أنفسهم. وفي هذا يصر أصحاب البيان، الذي يدين مجرد التفكير في المقاطعة، على المنطق المكرر نفسه، بأن المناسبة فنية وأنه لا سياسية في الفن، وأن الفن يوحد بينما السياسة تفرق. 

غالباً، سيستمتع الجمهور بمسابقة هذا العام، كما فعل في الأعوام السابقة، وستؤكد تصويته، مرة أخرى، بأن إسرائيل في قلب المشروع الأوروبي، وسيحتفل الجمهور الذي سافر خصيصاً إلى تل أبيب بـ"الأمان الذي ترفل فيه المدينة". والأهم من هذا كله هو أن الجميع سيقر ضمناً بكل هذا السياسة التي يتضمنها الفن، وبتبجح التعامي عنها وإنكارها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب