آخر تحديث:20:19(بيروت)
الأحد 07/04/2019
share

شكل جديد للمناظرات التلفزيونية في فرنسا: مشهديات بلا مضمون

حسن مراد | الأحد 07/04/2019
شارك المقال :
شكل جديد للمناظرات التلفزيونية في فرنسا: مشهديات بلا مضمون المناظرة التلفزيونية الاكبر في تجربة فرنسا: 12 مرشحاً مشاركاً حُصرت مداخلتهم بـ10 دقائق


منذ العام 1974، تحولت المناظرة التلفزيونية في فرنسا إلى عرف سياسي واعلامي يسبق الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. عام 2012 اتسع اطارها لتشمل الانتخابات التمهيدية للأحزاب، كما شهد سباق العام 2017 وللمرة الأولى مناظرة منذ الدور الأول.

يبدو أن هذا العرف لن يقتصر بعد اليوم على الاستحقاق الرئاسي. فعلى أبواب انتخابات البرلمان الأوروبي، نظمت محطتا France2 و France Inter مناظرة جمعت رؤساء 12 لائحة فرنسية من أصل 19 تتنافس لحصد المقاعد الـ 79 المخصصة لفرنسا. الهدف منها كان واضحاً، الاجابة عن المعضلة التالية: ما هي مصلحة فرنسا من عضوية الاتحاد الأوروبي؟ 

لكن وبخلاف مناظرات الانتخابات الرئاسية بمختلف مراحلها، لم تؤدِ هذه المناظرة الغرض المرجو منها. 

لا يمكن فصل المناخ السياسي الداخلي المواكب للاستحقاق الأوروبي عن التحولات السياسية التي تعرفها فرنسا منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة: بروز أحزاب جديدة وانحسار أخرى، فرض تجديداً ليس على مستوى البرامج وحسب، بل أيضاً على صعيد السياسة الإعلامية. 

فالأحزاب التقليدية اختارت، لرئاسة لوائحها، وجوهاً جديدة لكنها تفتقر لحضور إعلامي وازن. كما أن آخرين يخوضون الاستحقاق الأوروبي بعد الانشقاق عن احزابهم. بالتالي، ساد غموض عما يميز عدداً من اللوائح عن بعضها البعض حتى أن رئيس لائحة الحزب الاشتراكي استغرب لماذا يجد نفسه في منافسة مع لوائح يتقاطع وإياها في الرؤية. 

من جانب آخر، لم يكن يفترض استضافة كل هذا العدد من اللوائح نظرا لتقاطع الكثير من البرامج في ما بينها. بداية ، اقتصرت الدعوة على رؤساء 7 لوائح فقط تمثل مختلف الآراء والتوجهات، إلا أنه مع لجوء بعض المرشحين للضغط و/أو لرفع دعاوى قضائية، وجد المنظمون أنفسهم أمام ضرورة استضافة ممثلين عن 12 لائحة بدلاً من 7، عدد لم تبلغه أي مناظرة سابقة. بالتالي، مجموع ما كان متاحاً لكل مرشح من الوقت لعرض برنامجه والمحاججة هي 10 دقائق فقط.

وعليه أبدى المحاوران حرصاً شديداً على توزيع الوقت بصورة متساوية. لهذه الغاية تم اللجوء للمرة الأولى لنظام الإشارة الضوئية لتنبيه كل مرشح عند تجاوزه الوقت المخصص للإجابة. 
أما التحدي الاعلامي الاكبر فتمثل في الاستحواذ على نسبة متابعة عالية. لذا سعت المحطتان إلى ابتداع أساليب غير معهودة في أدبيات المناظرات الفرنسية لجذب المشاهدين، وهو ما يمثل تحولاً في المناظرات التلفزيونية. 

وبناءً على طلب المنظمين، أحضر كل مرشح معه غرضاً يعكس رؤيته للاتحاد الأوروبي وبذلك لا تكون المداخلة الاولى على شكل خطاب أو كلمة تقليدية. والحق أن هذه الوسيلة جذبت الانتباه واستحقت ثناء الصحافة: بين من جلب بقايا من حائط برلين للدلالة على النية في كسر المزيد من الحواجز والحدود بين الدول الأعضاء، ومن أحضر أصفاداً للإشارة إلى تكبيل الاتحاد الأوروبي للاقتصاد الفرنسي، ومن جسد رؤيته للشراكة الأوروبية عبر نموذج مصغر لطائرة ايرباص حملت رمزية مفادها أن الشراكة الناجحة تكون بين عدد محدود من الدول ولمشاريع محددة واضحة الأهداف. 

وأراد المنظمون كذلك تعزيز التفاعل بين المرشحين، لذا حرصوا على أن تكون المنابر قريبة من بعضها البعض. وخلال نقاش كل موضوع من المواضيع، كان يتم بين الحين والأخر بث صور أرشيفية، كفيديوهات المهاجرين غير الشرعيين عند التطرق للحدود الجغرافية للاتحاد الأوروبي، وهو أمرٌ لم تألفه المناظرات السابقة. 

كما طُلب منهم ابداء الرأي حيال عدد من المواضيع من خلال تصويت الكتروني (نعم/لا/ممتنع) كالموافقة على انضمام صربيا لعضوية الاتحاد، في محاكاة لآلية اتخاذ القرار الأوروبي.

 ورغم محاولات جعل المناظرة أكثر حيوية، إلا أنها لم تكن محطة إعلامية موفقة. وهذا ما أكدت عليه كل الصحف الفرنسية لدرجة أنها جميعا استخدمت التعبير نفسه للإشارة إلى ما جرى، إذ وصفوت بمناظرة الـ cacophonie أي تنافر النغمات. 

فالعدد الكبير من المرشحين أدى إلى نقاش سطحي والسبب مدة الكلام القصيرة المتاحة لكل رئيس/ة لائحة. 

كذلك لم تتمكن هذه الوجوه الصاعدة من فرض نفسها بقوة لدرجة أن تمت مقارنة الحضور الخجول لبعضهم بالكاريزما التي يتمتع به رؤساء أحزابهم الذين انتدبوهم لهذه المهمة. 
أما من خرج بمكسب إعلامي فهم الذين سبق لهم خوض الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهم المعتادون على هذا النوع من المبارزات الإعلامية. 

صحيحٌ أن المنظمين نجحوا في جعل المرشحين يتفاعلون في ما بينهم، لكن ذلك كان على حساب إدارة المناظرة. بصعوبة تمكن المحاوران من ضبط الإيقاع وإلزامهم احترام التوقيت لدرجة أنهما اضطرا مرارا للتهديد بفصل الميكروفونات لإجبارهم على التوقف عن الكلام. علاوة على ذلك لم يكن تفاعل المرشحين في ما بينهم لتحفيز النقاش حول الشراكة الأوروبية فقط، بل كان أيضا محطة لتسجيل نقاط سياسية داخلية على بعضهم البعض.  

 والحال، لم تحمل هذه المناظرة أي قيمة مضافة تذكر. فما فعلته ليس إلا إعادة التذكير بالنظرة العامة جدا التي تحملها كل لائحة حيال الاتحاد الأوروبي دون التطرق إلى البرامج بصورة مفصلة وشاملة. فاستضافة هذا العدد من المرشحين، طوعاً أو كراهية، أفرغ المناظرة من جدواها. 

من جانب آخر، تعتمد الانتخابات الرئاسية على نظام الاغلبية الفردية وبذلك تؤثر شخصية المرشح في خيار الناخب فتكون المناظرات التلفزيونية إحدى وسائل التعريف بالمرشحين. لكن اللجوء لمناظرة للتعريف برؤساء اللوائح في الانتخابات الأوروبية التي تعتمد نظام اللوائح ليس مجدياً، إذا ما قورن الأمر بمناظرات الانتخابات الرئاسية التي تجري في ظروف مختلفة. 

فهل باتت المناظرات التلفزيونية في فرنسا فعلاً روتيناً تلجأ إليه الوسائل الاعلامية عند كل استحقاق انتخابي من دون أي إدراك مسبق لجدواها الاعلامية والسياسية؟ خاصة وأن تعدد وتنوع وسائل التواصل المتاحة بين اللوائح والناخبين، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، باتت أكثر فعالية في التسويق الانتخابي. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها