آخر تحديث:20:12(بيروت)
الثلاثاء 30/04/2019
share

البغدادي.. انهيار صورة

نذير رضا | الثلاثاء 30/04/2019
شارك المقال :
البغدادي.. انهيار صورة قدم نفسه بصورة المهزوم والملاحق وزعيم عصابة، خلافاً للصورة الاولى في العام 2014
كل التقديرات التي تتخوف من أن يكون لظهور زعيم تنظيم "داعش" ابو بكر البغدادي اي تأثير لجمع المناصرين، وتحديداً في سوريا والعراق، تنطوي على قصر نظر، على الاقل من ناحية بصرية، كون الرجل ظهر بصورة المنهار والمطارد والمنبوذ والمتواري، خلافاً لصورته الاولى التي أظهرته في العام 2014 بأنه "زعيم" لفئة متطرفة قادرة على تشكيل خطر على السلم الاقليمي، على الاقل في سوريا والعراق. 
ما قاله البغدادي، في شريط فيديو تبلغ مدته 18 دقيقة، هو إقرار بالهزيمة، وهو الإقرار الأول بنهاية التنظيم كقوة عملاتية قادرة على تشكيل تهديد للسلم والأمن الإقليميين.

أما المعطيات التي تحدث عنها، كقوله ان تنظيمه نفذ 92 عملية، فهي استعادة بما يتخطى القدرة على التأثير، ولو أن رسائله تظهر أنه نقل أجندته من موقع جغرافي الى آخر. وهي مناسبة للتمعن في قدرات التنظيم الذي نقل ساحات الجهاد المزعومة الى افريقيا، عندما أتى على ذكر مالي وبوركينا فاسو والجزائر والسودان، على قاعدة أن الارهاب يتمدد في الفوضى والخلاء، وهي الاستراتيجية الاساسية التي سمحت لداعش بالتمدد في العراق وسوريا. 

عدا هذه الجزئية التي ستكون محل متابعة أمنية دولية بالغة في الدول الافريقية، لا شيء يستدعي القلق البالغ من ظهور البغدادي الذي أقر بالهزيمة. فالتوعد الاعلامي الذي مارسه، بتحوله الى قوة تهديد عالمية، يعدّ أمراً متوقعاً بعد هزيمته الكبرى في العراق وسوريا، اسوة بخطابات زعماء التنظيمات المتطرفة التي سبقته. فخطاب التهديد، هو خطاب مكرر، يعتبر واحداً من الادبيات الخطابية لتنظيمات متطرفة، جرى التطرق اليها في تسجيلات سابقة لزعيم "القاعدة" اسامة بن لادن، وربيبه ابو مصعب الزرقاوي، وآخرين من زعامات التطرف الاسلامي. 



على أن تقلص القدرة العملانية لتنظيم "داعش"، تنطلق من بُعدين. أولهما ورد في المضمون، حيث أظهر البغدادي تنظيمه كقوة ثأرية، عندما تحدث عن مجازر سريلانكا المدانة، بوصفها انتقاماً من هزيمته في الباغوز في سوريا. وهو أمر يخالف كل التقديرات الأخرى عندما تبنى التنظيم المجازر في سريلانكا بوصفها انتقاماً للمجازر في نيوزيلندا. 

فهو، بذلك، لم يطرح تنظيمه كقوة ردعية تثير المخاوف، إذا ما قُرئت على أنها تكسبه تأييداً والتفافاً من المؤدلجين الإسلاميين، بل أظهر نفسه كقوة انتقامية لهزيمته، وبذلك يعكس صورته كزعيم لعصابة، وليس لتنظيم قدّم نفسه في العام 2014 كقوة إسلامية رديفة تتحكم بالجغرافيا والاقتصاد والأمن والشريعة. 

فالصورة السابقة التي ظهر بها البغدادي في العام 2014، إثر إعلان خلافته المزعومة في مسجد النوري في الموصل، انهارت بإقراره بالهزيمة في المضمون. أما في الشكل، وهو البُعد الثاني للظهور الثاني خلال خمس سنوات، فهو يكرس هذا الانهزام. إذ ظهر كرجل منبوذ، متوارٍ ومهزوم، يشبه أسلافه من الملاحقين، ويمارس دوره كزعيم لعصابة إجرامية عابرة للحدود، يقتل ويستلذ بالقتل، ثأراً لهزيمته. 

وظهر البغدادي في الفيديو بلحية بيضاء واضعاً منديلاً أسود على رأسه، ويفترش الأرض إلى جانب آخرين أخفيت وجوههم. وهو الظهور المخالف للظهور الأول كزعيم يخطب في الناس، ويؤمّ المصلين، ويخرج عليهم من منبر اسلامي تاريخي. 

الفارق بين الصورتين، أنه كان واقفاً في الأولى أمام وجوه مكشوفة وحشد من المؤيدين والمريدين، إضافة الى مسلوبي الإرادة الذين وجدوا أنفسهم أسرى "الدولة الاسلامية" المزعومة ورهائن لديها. كان في ذلك الوقت، صورة لحاكم مفترض، لا يخاف الناس من أتباعه وخصومه، ويفرض نفسه عليهم. اما في الثانية، فظهر متوارياً في غرفة، يجلس بلا أتباع، ينظّر ويستعيد الماضي، خائفاً على أمنه الشخصي، بدليل وجود سلاح فردي الى جانبه.  

هذه الصورة، فضلاً عن تغيّر شكله بحكم تواريه (الزيادة في الوزن التي ظهر بها)، هي صورة مهزوم، انتقل من موقع الزعامة الى موقع مدير لشبكة اجرامية. صورته، لن تكسبه المؤيدين، حكماً، ولا تجذب الخائفين للاتفاف حوله. فالتنظيم انتهى، والبغدادي بات باحثاً عن ملاذ آمن، كما أسلافه الزرقاوي وبن لادن وغيرهما.

البغدادي أراد من هذا الظهور، مجبراً، أن يقول انه لا يزال على قيد الحياة، وسينتهي به الأمر كمسجل لمقاطع صوتية تبحث في الانترنت المظلم.





شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها