آخر تحديث:18:59(بيروت)
السبت 27/04/2019
share

الولاية القضائية العالمية تلاحق مجرمي الحرب في سوريا

حسن مراد | السبت 27/04/2019
شارك المقال :
الولاية القضائية العالمية تلاحق مجرمي الحرب في سوريا عرضت صور "قيصر" في مقر الأمم المتحدة بنيويورك 2015
يوم الخميس الفائت، كتب الصحافي محمد الحاجي منشوراً في صفحته الخاصة في فايسبوك قال فيه: "تم استدعائي اليوم، بصفتي مُترجم مُحلّف لدى المحاكم الفرنسية، من قبل الشرطة الفرنسية المكلّفة التحقيق بالجرائم ضد الإنسانية، للشهادة والتدقيق بسبب خطأ ارتكبته عن غير قصد (faute de frappe) على ورقة ترجمتها العام الماضي لشخص سوري حيث كتبت 2017 بدل 2007. الشخص مودع منذ عدة أسابيع في سجن فرنسي (ليس بسببي طبعاً) في إطار تحقيق كبير يتعلق بقتل مدنيين أثناء تأديته للخدمة العسكرية. ما أود قوله أن العدالة الفرنسية تتقدم في هذا الملف بحسب ما فهمته من المحققين، ويجب أن يعرف السوريون أنها ستتحقق يوما ما. نحتاج مليار كيلو صبر، فقط لا غير".

وأوضح الحاجي في اتصال مع "المدن" أن استدعاءه "للمكتب المركزي لمكافحة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب" لم يكن بغرض للتحقيق معه: فالمتهم المذكور أنهى خدمته العسكرية العام 2007 قبل استدعائه مجدداً للخدمة العام 2013، لينتهي به المطاف في فرنسا العام 2015 طالباً اللجوء السياسي. وبالتالي، استبدال تاريخ 2017 بـ2007 في المستند المترجم أدى إلى التباس لدى المحققين، إذ كيف أنهى المشتبه به خدمته العسكرية بعد وصوله إلى فرنسا؟ فاستدعي الحاجي بغرض التدقيق مجدداً في النص الأصلي ليتضح الخطأ المطبعي، غير المقصود، الذي وقع فيه.

لم يطلع الحاجي من المحققين على كامل تفاصيل القضية، لكنه لمس من خلال دردشة جانبية معهم أنهم يستندون في تحقيقهم إلى أدلة دامغة. من جانب آخر، قال الحاجي أن الدردشة تطرقت كذلك إلى التعاون الفرنسي - الألماني في تعقب مرتكبي جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا. 

هذا التعاون بين فرنسا وألمانيا ليس مستغرباً، فالأجهزة القضائية في هاتين الدولتين سباقة في ملاحقة السوريين المشتبه بتورطهم بارتكاب مثل هذا النوع من الجرائم. كما هو معروف، لا تلوح في الأفق أي بوادر لإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، أولاً لأن الحكومة السورية لم توقع على نظام روما المؤسس لهذه المحكمة، وثانياً بسبب الفيتو الصيني - الروسي المشترك الذي يعيق صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي في هذا الخصوص. 

لذا، لجأ حقوقيون سوريون وأوروبيون إلى استثمار "الولاية القضائية العالمية"، التي أدرجتها بعض الدول الأوروبية في قوانينها الوطنية، بغية ملاحقة مرتكبي جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في سوريا. عادةً، لتتمكن المحاكم الوطنية من التحقيق في مثل هذه الملفات يجب أن تتوافر صلة ما، بين الجريمة المرتكبة وذلك البلد، ما يعني العمل إما بمبدأ الاختصاص الإقليمي (الذي يتيح للدول مقاضاة الجرائم المرتكبة على اراضيها) أو الشخصية الفعالة (أن يكون المشتبه به مواطناً من تلك الدولة) أو الشخصية السلبية (عندما تكون الضحية أحد مواطني الدولة المذكورة). 

إلا أن "الولاية القضائية العالمية" تتيح للمحاكم الوطنية التحرك أيضاً في ظل غياب هذه الصلة، أي في جرائم ارتكبت خارج نطاق سلطتها الجغرافية ومن قبل اجانب ضد اجانب آخرين، لكنها تعتبر خطيرة لدرجة أن الرأي العام الدولي معني بمحاسبتها. 

هذه "الولاية" ليست مستجدة رغم أن المحاكم الوطنية نادراً ما استخدمتها. لكن مع فرار ملايين السوريين من بلدهم ولجوء أعداد منهم إلى أوروبا تحديداً، بات الضحايا والشهود والأدلة مجتمعين في دول تشمل قوانينها "الولاية القضائية العالمية" لا سيما ألمانيا وفرنسا والسويد.

فقبل نحو شهرين، ضج الإعلام الأوروبي بخبر توقيف ثلاثة عناصر من المخابرات السورية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وذلك في إطار تحقيق ألماني - فرنسي مشترك. استناداً إلى تغطية الصحف الفرنسية لهذا الخبر، اتضح أن الأجهزة القضائية الفرنسية والألمانية اعتمدت في أدلتها على مصدرين رئيسيين: أولاً صور جثث المعتقلين المسربة من قبل عسكري منشق يلقب بـ "قيصر"

هذه الصور التي بلغ مجموعها 55 ألف صورة (بمعدل أربع صور لكل جثة) كشفت عن الانتهاكات الممنهجة التي يتعرض لها المعتقلون كالتعذيب والتجويع وغياب الرعاية الطبية. أما المصدر الثاني للأدلة، فهو شكاوى وشهادات السوريين الذين فروا من بلادهم. 

ولكن أيضاً يمكن لمنصات وسائل التواصل الاجتماعي توفير بعض من هذه الأدلة للأجهزة القضائية: ففي العام 2015، دانت محكمة سويدية مقاتلاً في الجيش السوري الحر يدعى مهنّد الدروبي بتهمة ارتكاب جريمة حرب، استناداً إلى مقطع فيديو نشره على الفايسبوك وهو يعذب جندياً تابعاً للنظام.

رغم الجهود المبذولة في ملاحقة مجرمي الحرب السورية والنتائج التي باتت تسفر عنها، إلا أنها تبقى مهمة دونها صعوبات وعوائق. فما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي من صور وفيديوهات يمكن أن يتحول إلى أدلة تتيح استصدار أحكام قضائية. الصعوبة تكمن في التحقق من مصداقيتها وتاريخ ومكان تصويرها، خصوصاً إذا ما التقطت ونشرت من قبل أفراد وليس منظمات أو جهات ذات مصداقية وحريصة على التوثيق بمهنية. والأهم من ذلك استحالة أن يتوجه المحققون إلى مناطق النزاع، في الوقت الراهن، لجمع أدلة دامغة وكافية، مما يحول دون الوصول إلى أحكام قضائية في بعض الملفات لغياب الأدلة.

رغم أن هذه الملاحقات ما زالت محدودة لناحية نطاقها وعددها، لكنها تمنح بعض الأمل للضحايا لتحقيق العدالة كما تساهم في الحفاظ على الأدلة لاستخدامها في محاكمات مستقبلية إذا ما تبدلت الظروف الدولية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها