آخر تحديث:19:49(بيروت)
الثلاثاء 16/04/2019
share

السوشيال ميديا تدير أزمة نوتردام.. والإعلام في الخلفية

حسن مراد | الثلاثاء 16/04/2019
شارك المقال :
السوشيال ميديا تدير أزمة نوتردام.. والإعلام في الخلفية ترامب يتدخّل والفرنسيون يستهجنون
فور انتشار خبر اندلاع الحريق في كاتدرائية نوتردام الشهيرة، وقبل تمكن موفدي القنوات الفرنسية من التوجه إلى محيط نوتردام، انتشرت فيديوهات وصور الحريق، لا سيما في "تويتر"، والتقطها أفراد صودف وجودهم هناك. حتى أن لحظة انهيار برج الكاتدرائية الرئيسي وثّقته بشكل رئيسي هواتف المتواجدين في محيط المكان، لتتناقلها القنوات الفرنسية. 
ورغم رداءة بعض هذه الفيديوهات وطريقة التصوير غير الاحترافية أحياناً، فإن قيمتها الفعلية تكمن في أنها أتاحت توثيق الأحداث ومن زوايا مختلفة: سواء من علو، من محيط الكاتدرائية أو حتى من سطحها عبر فيديو التقطه على الأرجح أحد رجال الإطفاء.

لم تتأخر القنوات الفرنسية في المبادرة لتخصيص تغطية خاصة. خلالها، كانت حريصة على عدم استباق التحقيقات، فبدت حذرة جداً في تحليل أسباب الحريق تفادياً لأي مغالطة محتملة.

لكن وعلى اعتبار أنه من غير الممكن عدم التطرق لهذه النقطة، أي أسباب الحريق، قامت جميع القنوات الفرنسية بمعالجتها بشكل غير مباشر عبر فتح الهواء لمهندسين ورجال دين وممثلين لجمعيات دينية للاستيضاح عن ماهية الورشة التي تشهدها الكاتدرائية في الوقت الحالي، إذ يرجح أن تكون أعمال الترميم الجارية داخلها هي المسبب لهذا الحريق. ولم تتردد هذه القنوات كذلك في استضافة مؤرخين تناولوا أهميتها العمرانية ورمزيتها التاريخية.

ليس صعباً ملاحظة أوجه التشابه بين القنوات الفرنسية في أسلوب التغطية، لكن ذلك لم يمنع التمايز في ما بينها لا سيما لدى محطة France2، إذ كان لافتاً مسارعتها لإعداد تقارير لمواكبة التغطية الخاصة: من ردود أفعال المتواجدين في المكان، إلى تغطية المحطات الأجنبية لهذه المأساة والتذكير بأبرز الأحداث التاريخية التي احتضنتها الكاتدرائية كحفلة تنصيب نابليون بونابرت إمبراطوراً على فرنسا. في المقابل كانت هذه التقارير غائبة عند المحطات الأخرى أو أقله لم تنجز بالسرعة نفسها.

أخذ وسائل الإعلام المرئية لزمام التغطية لم يطغَ على مواكبة السوشال ميديا لهذا الحدث. فيما كانت النيران لا تزال مشتعلة، انتشرت فيديوهات لمجموعات تتلو الصلوات أملاً منها في إنقاذ الكاتدرائية من الانهيار التام.

انهيار البرج الرئيسي لنوتردام كان المشهد الأقسى الذي وثقته الكاميرات، فبادر بعض المغردين إلى نشر مقطع مصور من داخل السطح الخشبي الذي يرتفع فوقه البرج، سطح يطلق عليه اسم "الغابة" نظراً لكمية الأخشاب المستخدمة لتشييده. نشر الصور والفيديوهات لهذا السطح أتاح بالصورة فهم سبب انهيار البرج على هذا النحو، بفعل تآكل الاخشاب، كما سارع آخرون إلى تداول رسم يوضح الأجزاء المنهارة من الكاتدرائية. 

وقد تكون المشاهد الاكثر تعبيراً عن فداحة الحريق، تلك التي التقطتها طائرة بدون طيار أظهرت النيران وهي تلتهم الكاتدرائية من الجو أو صور الخراب الذي لحق بها من الداخل بعد تمكن رجال الإطفاء من السيطرة على الموقف.
ولا يمكن في هذا الصدد إغفال المكانة المميزة التي تحتلها الكاتدرائية في الوجدان الأدبي الفرنسي، لذا لم يكن مستغرباً انتشار كاريكاتور كوازيمودو، بطل رواية فيكتور هوغو الشهيرة "أحدب نوتردام"، وهو يعانق المبنى.  

صحيحٌ أن جزءًا من هذه الصور والفيديوهات عُرض على بعض الشاشات الفرنسية، إلا أن حسابات المغردين كانت في بعض الأحيان سباقة إلى نشرها وتناقلها. من جانب آخر استحالة أن تبث القنوات كل الفيديوهات المصورة، سمح لوسائل التواصل الاجتماعي أن تشبع رغبة الكثيرين في مشاهدة أكبر قدر ممكن من الصور والفيديوهات لحريق نوتردام ومن زوايا متعددة.

وكالعادة، لجأت الجهات الرسمية الفرنسية إلى الفضاء الافتراضي لتوضيح سير وتقدم أعمال الإطفاء. لكن الملفت كان استخدام "تويتر" للرد على التساؤلات التي انتشرت بين الفرنسيين: أبرز هذه التساؤلات سبب عدم اللجوء للإطفاء الجوي، فكانت هذه التغريدة لتشرح أن إلقاء كمية المياه المطلوبة من على ارتفاع منخفض من شأنه إضعاف هيكل الكاتدرائية وإلحاق أضرار جانبية بالمباني المحيطة بها.

وكان "تويتر" المنصة المفضلة لرؤساء الدول والحكومات للإعراب عن تضامنهم مع فرنسا. ويجدر في هذا السياق التوقف عند تغريدتين: الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون غرد بداية الأمر بالفرنسية معبراً عن حزنه لرؤية "جزء منا يحترق" ثم أعاد نشر التغريدة باللغة الإنكليزية في وقت لاحق، بعدما لمس حجم التعاطف العالمي مع فرنسا. 

من جهته، ختم دونالد ترامب تغريدته قائلاً "يجب التعامل بسرعة مع الموقف" وهو ما أثار استهجان الكثيرين الذين وجدوا في كلامه انتقاصاً من الجهود المبذولة من رجال الإطفاء.

تغريدة أخرى لم تلقَ بدورها استحساناً إذ اعتُبرت خروجاً عن مناخ الوحدة الوطنية الذي ساد ليلة البارحة في فرنسا. فقد سارع مرشح أقصى اليسار للانتخابات الرئاسية الأخيرة وزعيم حركة "فرنسا الأبية"، جان لوك ميلانشون، للتوجه إلى ايمانويل ماكرون طالباً منه الصمت هذه الليلة، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا بمحاولة تسجيل نقاط داخلية وبالتالي وضع تغريدته في خانة المزايدة السياسية.

 إلى جانب الإعلام المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي، واكبت كذلك الصحافة المكتوبة تغطية الحدث عبر كشف عدد منها عن صفحتها الأولى لليوم التالي. وأبرز ما طُبع في الأذهان كان عنوان صحيفة Libération التي اختارت اللعب على الكلام، إذ اضافت حرف R على Notre Dame لتصبح Notre Drame (مأساتنا) ما يذكر بكتاب صدر العام 2017 حمل العنوان نفسه وخصص لانتقاد سياسة رئيسة بلدية باريس آن هيدالغو، فمن غير المستبعد إذا أن يكون عنوان الصحيفة مقتبساً و/أو مستوحى منه.

كاتدرائية نوتردام أكثر من مجرد صرح ديني، هي إرث عمراني وحضاري يزيد عمره عن ثمانية قرون إلى جانب كونها مقصداً سياحياً، كما أن باحتها الخارجية تضم "نقطة الصفر" أي المرجع لاحتساب المسافة التي تفصل باريس عن أي مدينة أخرى.

أهمية هذا الصرح دفعت الأفراد من تلقاء أنفسهم أن يساهموا في توثيق المأساة التي عاشتها فرنسا ليلة البارحة، لا بل كانوا أحياناً السباقين إلى نقل الصورة. بالتأكيد لم ترتقِ وسائل التواصل الاجتماعي لأن تكون بديلاً عن التغطية الاعلامية والصحافية، لكنها كانت بلا أدنى شك رادفاً مهماً لها وفي أحيان أخرى منافساً لها. 

أدركت القنوات الفرنسية أنها ليست الوحيدة في نقل الحدث، لذا لم تتردد إطلاقاً في نشر ما التقطه الأفراد من صور وفيديوهات لتعويض ما فاتها. في المقابل ظلت متمسكة باستيفاء المعلومات والأخبار من مصادرها الرسمية، بمعنى آخر سعت للموازاة بين "إعلام السوشال الميديا "والتمسك بالمهنية الاعلامية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها