آخر تحديث:19:44(بيروت)
الإثنين 01/04/2019
share

القضايا الاجتماعية في الإعلام اللبناني.. "سيكسي" بلا مهنية

يارا نحلة | الإثنين 01/04/2019
شارك المقال :
القضايا الاجتماعية في الإعلام اللبناني.. "سيكسي" بلا مهنية الحملة التي أطلقتها "شبكة حقوق الإنسان"
يلهث الإعلام اللبناني وراء "الرايتنغ"، ويسيل لعابه أمام مشهد "السكوب" المحتمل، فيتناسى كل الإعتبارات الأخلاقية والمهنية، وينقضّ على فريسته التي تكون في أغلب الأحيان ضحية تهميش إجتماعي وتمييز فئوي. 
من الواضح  أن إعلامنا المحلي قد نسي دوره ومسؤوليته تجاه المجتمع، وقد وجب تذكيره بأن "الهوا مش للتهميش"، وهو ما قامت من أجله حملة تحمل العنوان نفسه، أطلقتها شبكة حقوق الإنسان المؤلفة من عدد من الجمعيات غير الحكومية بقيادة "معهد الدراسات النسائية في العالم العربي" التابع للجامعة اللبنانية الأميركية. 

تعدّ ليلة الإثنين، ببازارها التلفزيوني، الشاهد الأمثل على هذا الإخفاق الإعلامي الذي يتجسّد بتسابق البرامج الحوارية على تغطية إحدى القضايا الإجتماعية الجدلية والشائكة. ولا تستوي طبخة "السكوب" من دون "رشة فضائح" وبعض التراجيديا التي تتمثّل بإلإستعراض العلني لدموع وإنكسار الضحية. وبالتأكيد، الموضوعات البشرية المفضلة لهذه التغطية الإعلامية هي الفئات الاجتماعية العرضة للتهميش، من نساء معنفات، ومثليين ولاجئين إلخ..

عبر إقصاء هذه الفئات وعدم تمثيل قضاياها بشكل صحيح، يمارس الإعلام اللبناني "إبادة رمزية لبعض المجموعات"K بحسب توصيف د.جاد ملكي، رئيس قسم الإعلام في الجامعة الأميركية اللبنانية، الذي ظهر في تقرير مصور لحملة "الهوا مش للتهميش". يشرح التقرير أثر هذه الممارسة الإعلامية المتمثّل في صياغة لغة تمييزية يستهلكها الجمهور ويعيد إنتاجها.

وتقول الإعلامية ديانا مقلّد أن "السياسات التحريرية لمعظم الوسائل الإعلامية تتجه نحو تعميم النظرة النمطية التمييزية، مثل تبرير عدم إعطاء المرأة الجنسية لأولادها، أو تبرير الفحوص الشرجية للمثليين إلخ". أما الصحافية والأستاذة الجامعية عليا إبراهيم، فتشير إلى أنها لم ترَ في الإعلام اللبناني حتى الآن معالجات فعلية للقضايا المطروحة، وإنما مجرّد إستعراض لمعاناة الناس، بما يلبّي رغبات المشاهدين وحبّهم للتلصص.

ويشكّل برنامج طوني خليفة، خير دليل على التعاطي الإعلامي الطائش والفاقد للحساسية والنقدية. فهو لا يخصّص سوى جزء من الساعة لتناول إحدى قصصه الجدلية، يظنها كافية للإلمام بكافة جوانب المسألة، قبل أن ينتقل على عجلةٍ إلى الأخرى ليفكّكها هي الأخرى بسرعة قياسية. يستحقّ خليفة على ذلك جائزة تحطيم الرقم القياسي في معالجة القضايا الاجتماعية ومناقشتها. 

هذا عدا عن إنتهاك خصوصية الضيوف وكل من تطاولهم تقاريره. ففي قضية جورج زريق، المواطن اللبناني الذي أضرم في نفسه النار، إحتجاجاً على غلاء أقساط مدرسة إبنته، أطلّ خليفة ليعلن حصرية نشره لفيديو إحراق جورج لنفسه، قبل أن يتراجع عن ذلك بطلب من عائلة زريق. 

كذلك الأمر بالنسبة لتقريره حول "مستشفى الفنار" والذي دخلت أروقته كاميرا البرنامج من غير إستئذان، فصوّرت وجوه المرضى، من دون أي إعتبار لخصوصيتهم. كما لا يتوانى البرنامج عن إختراق عوالم الأطفال وذوي الإحتياجات الخاصة، محولاً مأساتهم إلى مادّة بصرية مثيرة، من دون إدراكهم لما يحصل أو قدرتهم على رفض هذا التسليع الإعلامي، كما حصل في حالة الشاب المحتجز في "تتخيتة" أبيه منذ عشرين عاماً.

وبالإنتقال إلى "ال بي سي"، وبرنامج "هوا الحرية" تحديداً، فالوضع ليس أفضل حالاً. على غرار خليفة، يتطرق جو معلوف بكثرة إلى مواضيع ذات محتوى جنسي فضائحي، كفيلة بجلب أعلى مستويات "الرايتنغ". فيفتح هواءه تارةً للحديث عن فيديو إباحي، وتارةً أخرى لإستعراض قضية إغتصاب، بلا إحترام لأدنى معايير المهنية في التعامل مع ضحايا الإعتداء أو الإبتزاز الجنسي، والتي تقتضي أقلّه عدم الخوض في تفاصيل هذه الحوادث الصدمية على ملء الهواء. من دون أن ننسى بالطبع إستضافته لقاصر في الـ15 من عمرها، هربت برفقة خطيبها/خاطفها، ووضعها في مواجهة حيّة مع أسرتها، لتنتهي الحلقة بإقتحام القوى الأمنية وتوقيف الزوج على مرأى من الفتاة التي إنهارت أمام عدسة الكاميرات، وعلى شاشات المشاهدين.

ولعلّ الأكثر خطورةً هنا هو تسابق هذين الإعلاميَين على إحتلال عرش "المنقذ"، وهو ما يتجلّى في الزيارات المتعاقبة للقوى الأمنية إلى إستديو "هوا الحرية" -من أجل توقيف أحد ضيوفه- وفي لقب "المحرّر" الذي بات يطلق على طوني خليفة في كلّ مرّة يلفت فيها نظر أجهزة الأمن إلى أحد الأشخاص المحتجزين أو المضطهدين. إن هذا الموقع الأبوي الذي يطلّ منه الإعلاميان يوهمهما بتقديم الحماية للحالات التي يستضيفانها. وبذريعته، يواصل كلاهما إنتهاك خصوصية الأفراد وإستغلال ضعفهم وحاجتهم لإيصال أصواتهم. 

باختصار، "السكوب ممنوع في بعض القضايا الاجتماعية،" وفق ما تقول عليا إبراهيم في تقرير "الهوا_مش_للتهميش". فمن غير المقبول تحويل معاناة الناس إلى مادة ترفيهية، و"تسليع الفئات المهمشة" وفق الصحافية والناشطة النسوية ناي الراعي. وحين يكون الضيف نفسه، او موضوع المادة الإعلامية، جاهلاً بحقوقه المتعلقة بالخصوصية "فمن واجب الصحافي إعلامه بها"، وفق إبراهيم. أما عن أسباب هذه الهفوات الإعلامية، التي أصبحت أشبه بمنهجية متكاملة لخرق الحقوق والخصوصيات، فتشير الصحافية ورئيسة القسم الصحافي في "المفكرة القانونية" سعدى علوه إلى أن "معظم الصحافيين غير مواكبين لتطور المفاهيم الحقوقية المرتبطة بالفئات المهمشة". هذا بالإضافة إلى عدم تحمّلهم مسؤوليتهم المجتمعية. والعمل الإعلامي هو، وفق علوه، "بالدرجة الأولى، مسؤولية مجتمعية".



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها