آخر تحديث:20:03(بيروت)
الجمعة 08/03/2019
share

جمال الجراح.. وزير للإعلام أم وِزرٌ عليه؟!

بتول خليل | الجمعة 08/03/2019
شارك المقال :
جمال الجراح.. وزير للإعلام أم وِزرٌ عليه؟! يتسق كلامه مع دعوة الرئيس عون لإحالة "الشتائم والسباب في مواقع التواصل، إلى قانون العقوبات" (ريشار سمور)
لم يجد وزير الإعلام، جمال الجراح، غضاضة في إحالة الصحافيين إلى محاكم غير محكمة المطبوعات للبت في قضاياهم وإصدار الأحكام بحقهم في حال تخطّت مخالفتهم قانون هذه المحكمة، بحسب ما صرّح يوم أمس. وذلك عقب سؤاله عن موقفه من الحكم الغيابي الصادر عن المحكمة العسكرية بحق الصحافي آدم شمس الدين، والذي قضى بحبسه 3 أشهر بتهمة "تحقير جهاز أمن الدولة"، من خلال منشور له في "فايسبوك" كان قد انتقد فيه السلوك الذي انتهجه هذا الجهاز في التعاطي مع قضية ما سُمّي بـ"شبكة الإيدز".


الجرّاح الذي لم يبدِ أي تضامن مع شمس الدين ولم ينحاز لحريته كصحافي، ولا حتى كمواطن له الحق بالنقد والتعبير عن رأيه، خيّب آمال كل صحافي وإعلامي ومواطن كان ينتظر منه موقفاً صلباً وواضحاً، يتناسب مع موقعه كوزيرٍ للإعلام، ويتماثل فيه مع من سبقوه في هذا المنصب، ممن قاموا على الأقل بتسجيل موقف ولو من خلال الكلمة، وضعتهم في مصاف المدافعين عن حرية التعبير والانسجام مع ما يمثله مقعد وزارة الإعلام، الذي يفترض أنّ يمثّل صوت الإعلاميين ومصالحهم (لا التآمر عليهم) على طاولة مجلس الوزراء.   

موقف الجراح هذا، والذي يعتبر المحكّ والاختبار الأول الذي يواجهه بعد ترأسه لوزارة الإعلام، بدا سقطة تدلّ على النهج الذي قد يعتمده في التعليق على ممارسات السلطة، لجهة اللجوء إلى التصريحات الدبلوماسية والحيادية بدل تصدّيه لاسترسال القمع الموجّه والممنهج، الذي يتعرض إليه الصحافيون بشكلٍ مكثّف منذ انطلاقة العهد العتيد، بعد أن طغى على تصريحه ما يمكن اعتباره تبريراً لهذا القمع وغطاءً ساتراً له.

ليس من المعهود في لبنان أن تُقابل بضع كلماتٍ تنتقد أجهزة السلطة وتعرّي تجاوزاتها بحكم يقضي بزجّ صحافي في السجن لثلاثة أشهر. لذا ليس من المقبول أيضاً أن يتمّ التعامل مع قضية بهذه الخطورة والحساسية من منطلقات سياسية، يكون الحساب الأوّل فيها للتحالفات والمسايرات. أما في حال اختلط الأمر على معالي الوزير، ظناً منه بأنه من خلال رفضه لمحاكمة الصحافيين في محاكم عسكرية، واستنكاره لمعاملتهم وكأنهم من عتاة المجرمين، فإنه سيبدو وكأنه يقف حجر عثرة في مسيرة مكافحة الفساد المزعومة، والتي أصبحت لازمة ينادي بها كل أصحاب السلطة على حد سواء، كما لو أن الفساد ليس نابعاً منهم ولا متفرعاً عنهم.. فهذا هو الخطأ بعينه، إذ أنّ معركة محاربة الفساد بدأها الصحافيون قبل السياسيين بوقت طويل، وليس الذي أتى به آدم شمس الدين إلا إشارة إلى واحد من مكامن الفساد الذي أراد أن يساعد بها الدولة، ليقول لها إبدأي بنفسك ثم أصلحي الناس.

حبّذا لو أن معالي الوزير يولي اهتماماً أكبر للمسائل التي تتعلق بالصحافيين والحرية، إذ لن يضيره في شيء لو أنه على الأقل وعد بمتابعة ملف القضية، والسعي للإطلاع على حيثياتها والتدقيق في المسوغات القانونية التي استند إليها الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية. بدلاً من المساهمة بهذا النوع من التصريحات التي تعزز حملة استضعاف الصحافيين وتشجع على ملاحقة المواطنين بسبب منشوراتهم وآرائهم وتعليقاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي. وذلك بموازة إيجاد التبريرات والتخريجات للأجهزة الأمنية والتغاضي عن جرجرتهم إلى المحاكم ومكاتب التحقيقات القضائية على اختلافها، رغم غياب أي مسوّغ قانوني يجيز لهذه الجهات النظر في أي قضية تتعلق بالنشر والتعبير عن الرأي.

ما يلقي مزيداً من الشبهة على موقف الجرّاح، لجهة تغليب اعتباراته السياسية على ما عداها، هو اتساق كلامه مع دعوة الرئيس ميشال عون، الذي طالب مؤخراً في تصريح أمام وفد من نقابة المحررين بأن "أيّ من الشتائم والسباب التي تنشر في مواقع التواصل، يجب إحالتها إلى قانون العقوبات"، معتبراً أنّ "القانون الجزائي له إمكانية وصلاحية حسم قضايا من هذا النوع، فيما تبقى، في معظم الأحيان، القضايا المحالة استناداً إلى قانون المطبوعات سنوات دون البت بها، وتنتفي أي قيمة للتدبير المتخذ بموجبه".

الموقف الذي عكسه تصريح الرئيس عون، وسانده الجراح، يعاكس النضال الطويل الذي خاضته الصحافة، التي طالما طالبت بأن يكون التحقيق مع الصحافيين مرتبطاً بالقضاة المدنيين حصراً، وبضرورة إحالة مختلف قضايا النشر والرأي والنقد إلى محكمة المطبوعات على وجه التحديد، باعتبارها صاحبة الاختصاص. فالقوانين التي تعمل من خلالها المحاكم العسكرية والقضايا التي تبت بها تختلف كل الاختلاف في الشكل أو في الجوهر عن قضايا النشر والتعبير عن الرأي، وهو الأمر الذي لطالما ألقى ظلالاً على صلاحية المحاكم العسكرية في النظر في هذا النوع من القضايا. إذ إن القوانين التي ترعى السلوك العسكري والتراتبيات مثلاً، تنظر إلى عدم اعتمار القبّعة أو إلقاء التحية العسكرية أمام رتبة أعلى أو عدم التلفّظ بكلمة "سيدي"، كنوعٍ من أفعال عدم الانضباط والاحترام أو التحقير. فكيف لمحكمةٍ تعمل ضمن هذه الاعتبارات الخاصة وتنطلق من مبدأ "نفّذ ثم اعترض"، أن تكون لها وجهة نظر محايدة في القضايا المدنية، بل تلك التي تتعلق بالنشر والرأي والفصل أو البت ما بين النقد والذم والشتم وحتى التحقير.

الحكم العسكري بحق آدم شمس الدين ليس الأول من نوعه، فقد سبقه إصدار حكم غيابي بالسجن للصحافية حنين غدار، عادت المحكمة وألغته وأحالته إلى الجهة المختصة، كما أنها اتخذت جهة الادعاء على الصحافيين رضوان مرتضى وميسم رزق، كما أصدرت أمراً بملاحقة ناشر موقع "ليبانون ديبايت" ميشال قنبور، ما استدعى تحركاً من نقابة المحررين التي دعت الأجهزة القضائية أن تتعاطى مع الصحافيين بشأن الدعاوى المقامة ضدّهم بدعوتهم أمام محكمة المطبوعات مباشرة أو أمام قاضي التحقيق، مؤكدة أنها لن تتساهل في موضوع بهذه الخطورة من شأنه نسف النضال الطويل والمعارك التي خاضتها النقابة ولا تزال من أجل إعلام حرّ ومسؤول.

النيابة العسكرية استجابت بشكل جزئي لطلب النقابة، فأصدرت قراراً بإحالة كلّ خبر كاذب يُنشر في وسائل الإعلام أو في مواقع التواصل، ويتناول الجيش اللبناني والأسلاك الأمنية والقضاء العسكري إلى محكمة المطبوعات، على أن تتخذ صفة الادعاء بشأنها. لكن اللافت أن قرار المحكمة بالإحالة، اقتصر على ما يتعلق بالأخبار الكاذبة، من دون التطرق إلى كيفية التعامل مع الرأي والتعليق والنقد الذي يمكن أن يطال هذه الأجهزة، ما يجعل الباب موارباً أمام القضاء العسكري بالتدخل حينما يحلو له وانطلاقاً من أي ذريعة كانت.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها