آخر تحديث:19:47(بيروت)
الثلاثاء 26/03/2019
share

"ثورة امرأة شيعية" على سُلطة العمامة

يارا نحلة | الثلاثاء 26/03/2019
شارك المقال :
"ثورة امرأة شيعية" على سُلطة العمامة من التحرك الأخير أمام المجلس الشيعي الأعلى في بيروت (فايسبوك)
باتت قضايا حقوق المرأة اللبنانية، وما تواجهه من مظالم أمام المحاكم الدينية بالتحديد، موضوعاً رائجاً في السنتين الأخيرتين، وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء على هذه القضايا، الحساسة عادة، بتحدي السلطة الدينية والمجتمع الأبوي، وتوثيق قضايا النساء وعرضها على العلن وإثارة قضاياهن إنسانياً بالدرجة الأولى.


وتهدد المحاكم الشرعية وأنظمة الأحوال الشخصية، التابعة لكل من الطوائف الـ18، حقوق المرأة في الزواج والطلاق والحضانة والإرث. وليس سراً أن المرأة الشيعية هي أكثر من يقاسي ظلم وإجحاف المحكمة الجعفرية، وخصوصاً في مسألتي الطلاق وحضانة الأولاد، علماً أن سن الحضانة المسموح به للأم، هو سنتان للطفل الذكر و7 سنوات للأنثى، ما يجعله السن الأدنى بين كافة الطوائف، باستثناء الكاثوليكية.

وليست المحكمة الجعفرية وحدها المسؤولة عن المس بأمومة المرأة الشيعية، إذ تشاركها في ذلك أجهزة الدولة الأمنية التي تنفذ أحكام الطوائف بيدها الضاربة، وشهد لبنان في الآونة الأخيرة عدداً من الحوادث حيث أقدم رجال في بزات عسكرية على انتزاع أطفال من أحضان أمهاتهن، في حوادث تم توثيقها عبر مواقع التواصل بالدرجة الأولى، وتحويلها إلى حملات تضامن وقضايا رأي عام.

وإزاء هذا الواقع المرير، ظهرت حركة نضالية في صفوف النساء الشيعيات، خلال السنتين الأخيرتين، وأخذ خطابهن يتبلور على نحو راديكالي. فارتفعت أصواتهن متحدية مؤسسة دينية جبارة وشخصياتها "المقدسة"، مشيرات بأصابعهن إلى مواطن الفساد والظلم الكامن فيها. وتختزل هذه المعركة في "فايسبوك"، صفحة بعنوان "ثورة امرأة شيعية" وغايتها "تسليط الضوء على معاناة المرأة الشيعية في المحاكم الشرعية الجعفرية في ظل الفتاوى المعمول بها والأحكام الاستنسابية"، وتقدم نفسها كمنبر لكل زوجة أو أمّ فاقدة لحقوقها، كما تدعو إلى التضامن بين النساء الشيعيات من أجل تشكيل قوة ضاغطة على المجلس الشيعي الأعلى.

وعقب تنفيذ اعتصام أمام المجلس الشيعي الأعلى، بالتزامن مع عيد الأم، بدعوة من الأم ريف سليمان التي تتنازع مع المحكمة الجعفرية على حضانة إبنها، نشرت الصفحة عدداً من مقاطع الفيديو التي تظهر محادثات دارت بين المعتصمات، والأمين العام لأوقاف الطائفة الشيعية حسن شريفة. فبعد مشاركة النساء معاناتهن في دهاليز المحاكم الجعفرية، اكتفى الأمين العام بإعلان "جهله" بالأمور الحاصلة في مؤسسته، واضعاً إياها في إطار "الملفات الخاصة" بدلاً من الإقرار بأنها أزمة عامة تصيب البنية التحتية الاجتماعية لطائفة بحالها. فردت عليه إحدى النساء بتساؤل فيه شيء من الاستهزاء: "نحن نرفع مطالبنا منذ 6 سنوات والآن تتظاهرون بأنكم تسمعونها للمرة الأولى؟"

والحال أن ريف سليمان نشطت مؤخراً في مواقع التواصل الاجتماعي، فظهرت في أحد الفيديوهات واصفةً القضاة الشرعيين بأنهم "مرضى نفسيون" ومتوجهةً إليهم بالقول "قرفتونا عيشتنا"، مضيفةً: "كل قاضي مثلت أمامه عاملني بدونية ولم يسمح لي بالكلام"، وحمل المحتجون لافتات عليها هاشتاغ #كلنا_ريف_سليمان الذي تجاوز أثره العالم الافتراضي. أما فاديا حمزة، وهي محامية الأم فاطمة حمزة، التي سجنت بسبب رفضها التخلي عن حضانة إبنها، فاعتبرت القاضي "ناطقاً باسم الرجل".

ولا يقتصر تمييز المحكمة الجعفرية ضد المرأة، على قضايا الحضانة فحسب، بل تبدأ معاناتها منذ اتخاذها قراراً بالطلاق، خصوصاً إذا كان الزوج غير راغب في ذلك. وتتوارد الحكايات الشفهية منذ زمن طويل، عن ممارسات غير قويمة لرجال في قضايا الطلاق، إلا أن هذه التفاصيل لا تصل للإعلام إلا نادراً وبألسنة النساء ضحاياها.

ومنذ فترة وجيزة، خرجت نساء عن صمتهن، متحدثات عن اضطرارهن إلى دفع مبالغ طائلة لرجال الدين من أجل إتمام طلاقهن، وصلت في بعض الأحيان إلى 15 ألف دولار. كما ضُبط أحد المشايخ "بالجرم المشهود" محاولاً إبرام إتفاق يقضي بتطليق سيدة من زوجها، مقابل تقديم خدمات جنسية له تحت مسمى "عقد المتعة". ونشرت ريتا شقير مراسلاتها مع الشيخ علي حسن بيضون، إذ قدم الأخير عرضه، مرفقاً بصور له بالبيجاما ومن دون العمامة، محاولاً إغواءها.

وبعد تداول صور الشيخ و"سكرين شوتس" لمحادثاته في مواقع التوصل الاجتماعي، أضحى اسمه مرتبطاً مباشرةً بالتحرش، فإذا تم البحث عن اسمه في "غوغل" ستظهر كلمة "متحرش" ضمن الخيارات. الجدل الذي تسببت به هذه الحادثة، دفع بالشيخ إلى حرف مسار النقاش عبر التهجم على محامي النساء في مواجهتهن مع المحكمة الشرعية، زاعماً أن هؤلاء هم من "يتاجر ويتلاعب بآلام النساء بغية تحصيل بعض الدعاوى وحفنة من المال". أما الاستغلال الجنسي الذي تتعرض له النساء الشيعيات من قبل الشيوخ، فلم يأتِ بيضون على ذكره كواحد من مسببات ألمهن وشقائهن.

إلى ذلك، اتخذ هجوم المجتمع الشيعي، المناصر للمحكمة الشرعية ورجالها، منحىً سياسياً، إذ اتهم صفحة "ثورة امرأة شيعية" بأنها تابعة ومنبثقة عن "شيعة السفارة"، هدفها شن "حرب ناعمة على الشيعة وضرب بيئة المقاومة وتشتيت العائلات الشيعية". وفي هذا الإتهام دلالات مهمة حول طرق وأساليب "إسكات" المرأة في المجتمع الشيعي عبر نبش بشعارات المقاومة ونسج نظريات المؤامرة التي لا تمت بصلة إلى قضايا حقوق المرأة والممارسات المشينة لرجال الدين.

ورغم هذا "التخوين"، تمضي النساء في نضالهن ضد سلطة رجال الدين التي كانت، حتى اليوم، خطاً أحمر لا يجوز المساس به، إن من جانب الرجال أو النساء، على الصعيدين الاجتماعي أو السياسي. فلطالما كانت العمامة بمثابة حصانة لرجل الدين الشيعي، وهي المرة الأولى التي نشهد فيها حركة نضالية ضد بطش هذه السلطة ونفاقها، والإعلام البديل أفسح المجال لذلك، ولو طاولته الضغوط والحملات المضادة. ويبقى لافتاً أن ولادة هذه الحركة جاءت على أيدي النساء، وهن الأكثر عرضة للتهميش والإضطهاد في الطائفة الشيعية.



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها