آخر تحديث:20:53(بيروت)
الأربعاء 20/03/2019
share

باسيل عرف دوره.. فتدلّل

نذير رضا | الأربعاء 20/03/2019
شارك المقال :
باسيل عرف دوره.. فتدلّل قبيل انطلاق الحلقة.. ويبدو المحاورون الأربعة في مواجهة باسيل (عن تويتر)
ليست التقديرات التي تتحدث عن غياب مُحاور في قناة "ال بي سي" قادر على محاورة وزير الخارجية جبران باسيل، واقعية. 

فوضعُ وزير الخارجية بمواجهة ثلاثة اعلاميين يضبط ايقاعهم الزميل مالك الشريف، يمثلون أطيافاً سياسية مختلفة، على طاولة استجواب واحدة، يعكس واقعين: أولهما، توق القناة لتنفيذ "حلقة تكريمية" لوزير الخارجية الذي تتماهى الى حد كبير معه في الاصطفافات السياسية. وثانيهما، إصراره على النفاذ من أسئلة غير صديقة، لإثبات جدارته السياسية، وحصد شعبية إضافية في الساحة السياسية الداخلية. 

في التقييم الأولي للناحية الشكلية، تظهر استنتاجات من قبيل تسجيل المحطة أخيراً سابقة اعلامية في محاورة وزير. فالإطلالات الاخيرة بالمقابلات المشتركة، اقتصرت على الرؤساء في الفترة الاخيرة، سواء الرئيس ميشال عون، أو قبله الرئيس نبيه بري. بذلك، يتم تسجيل سابقة، وهو ما تنكره وقائع أخرى أراد الطرفان -أي القناة والوزير- تسجيلها، بمعزل عن شكليتها. 

لم يُعرف المُخطِط الفعليّ لهذا الشكل من الحوار. ففيما تحدثت معلومات عن أن القناة أرادت هذا الحوار للوزير باسيل، استناداً الى اتصالات ومحادثات بين إدارة الأخبار ووزير الخارجية منذ ستة أشهر، تحدثت معلومات أخرى عن أن مكتب الوزير باسيل اختار محاوريه، وهو إذا صحّ، فإنه يكون قد سجّل سابقة لجهة اختيار إعلاميتين من الطراز الأول، لا تؤيدانه في السياسة، ويريد من الحوار تسجيل سبق لإثبات جدارته السياسية في الردّ وايضاح ما يُسأل عنه، وهو ما تحقّق فعلياً. 

استطاع باسيل أن ينفذ من اسئلة محرجة ومرهقة، محافظاً على وتيرة ثابتة من اللهجة والهدوء وتماسك الإجابات. كان واقعياً في الرد على أسئلة من قبيل أنه "مكروه بالبلد"، أو أن بعض الوزراء العرب لا يرغبون في وجوده في اجتماعات القمم العربية، وهو ما طرحته الزميلة راغدة ضرغام. كما كان ثابتاً في الرد على أسئلة اتهامية حول ملفات الفساد، وأخرى مرتبطة بوعود أطلقها فيما البلد يسير باتجاه عكسي، وهو ما طرحته الزميلة سابين عويس. 

تلقف باسيل التقييمات الشائعة في أوساط العامة، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تثير الجدل حول شخصه، وحافظ على وتيرة ثابتة في الرد لا تتخطى مبدأ "المصلحة الوطنية" و"مصلحتنا". بل استفاد منها لتوجيه رسائل أخرى باتجاه قوى دولية، مثل إعلانه عن ابلاغه ثلاث مرات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بدعوة الشركات الأميركية للاستثمار في قطاع الطاقة اللبناني. أو للحديث عن الفرص المتاحة أمام الشركات الروسية والاوروبية للاستثمار في لبنان. 

في ذلك، أرضى خصومه ومؤيديه، في الداخل والخارج، ولو أنه لم يكرس صداقات عندما تحدث عن "المصلحة"، وهو منطق سياسي–اقتصادي تقوم عليه السياسة الدولية الراهنة. وفي البيئة الحزبية، كرس شعبيته كوزير ورئيس حزب مدرك لتفاصيل، وقادر على التعامل معها، وهو ما تجلى في التغريدات من قبل مناصريه تحت هاشتاغ #مع_جبران، خلال الحلقة وبعدها.  

والواقع أن تماسكه أمام مروحة الاتهامات، من الخيارات الدولية الى الاصطفافات المحلية، هو نتيجة حتمية لشبكة علاقات سياسية أهّلته ليكون في موقع الربط بين المتنازعين، من غير أن يكون في موقع الوسط. في الضفة الدولية، يمثل باسيل اليوم، المتفاهم مع "حزب الله"، قناة ربط مع خصوم الحزب الدوليين، تماماً كما كان دور قيادات لبنانية في حقبة ما، أيام الوجود الفلسطيني في لبنان، فكانت منافذ دولية باتجاه منظمة التحرير. يتصرف الحزب مع باسيل على أنه نافذته الدولية، وفي المقابل يوفر الحزب لباسيل مساحة مشتركة مع حلفائه الداخليين. يلعب باسيل في تلك المساحة المشتركة، كشريك مسيحي، وأداة ربط للمتناقضات والمتنافرات الداخلية، من خلال العلاقة السياسية الضرورية مع الرئيس سعد الحريري وصلة وصله الى الخصم الاستراتيجي، فيما يمثل الحريري المعبر الاقتصادي الى العالم الخارجي. 

من هنا، عرف الرجل دوره "فتدلّل". استفاد من واقعه لتعزيز حضوره المسيحي كنعصر مطمئن لهم تجاه الآخر المسلم. والآخر، "المستقبل" و"حزب الله"، يتصرف مع باسيل على أنه عنصر مطمئن أيضاً، حتى لو لم يكن عنصر ثقة دائمة. وفي الحالتين، في الضفة الدولية والضفة المحلية، يدور في فكرة الربط، انطلاقاً من فهمه لدور لبنان الكيان، كبلد تعددي لا يقوم بلا الحوار المرهق والدائم، وهو ما تتطلبه الديموقراطية التوافقية. علماً أن التعددية، هي فكرة يسوق لها باسيل في الأروقة الدولية ليكون لبنان النموذج المقابل للعنصرية الاسرئيلية، وبدأ الحديث عنها خلال مشاركته في مؤتمر في نيويورك في آب/أغسطس 2018. 

هذه الوقائع بأكملها، شكلت له عنصر قوة يخرج به على محاوريه وجمهوره. ردّ على الاسئلة، وحصد تأييد جمهوره. وسواء أرادت "ال بي سي" الحلقة تكريمية له أم لا، فإن فعل التكريم تحقق، لمرة واحدة على الأقل، وربما يمثل استثناءً في حوارات المحطة التي يفتقر جدول برامجها إلى "التوك شو" السياسي مساء.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نذير رضا

نذير رضا

رئيس قسم الميديا في "المدن"