آخر تحديث:20:10(بيروت)
الأحد 17/03/2019
share

الفلسطيني محمد دار سليم:من معتقل الى مصور "كان"

أدهم مناصرة | الأحد 17/03/2019
شارك المقال :
  • 0

الفلسطيني محمد دار سليم:من معتقل الى مصور "كان"


عديدةٌ هي الحالات لفلسطينيين امتهنوا العمل الصحافي والتصوير، انطلاقاً مما شكلته أحداث خاصة مروا بها خلال تصديهم للإحتلال الإسرائيلي على مر الإنتفاضات الثلاث التي شهدتها الضفة الغربية وقطاع غزة، منذ إحتلالهما عام 1967. فكان مما واجهوه من مواقف وما تعرضوا له من قمع واعتقال، دافعاً وتحدياً كبيرين لهما، كي يصبحوا صحافيين في ما بعد؛ ليتحولوا من خبر إلى مُوثقين له في مرحلة لاحقة. 

المصور الصحافي محمد دار سليم البالغ من العمر 43 عاماً، هو بطل إحدى هذه الحكايات، إذ يكشف لـ"المدن" اختياره هذه المهنة، والذي يعود إلى بداية الإنتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت شرارتها نهاية عام 1987، ولم تتوقف الآن حتى بعد تصويره حدثاً سينمائياً في مدينة "كان" الفرنسية.

في العام 1987، وبينما كان دار سليم يدرس في مدرسة "دار الأيتام" الإسلامية الواقعة في حارة النصارى بالقرب من كنسية القيامة في القدس العتيقة، كان ابن الـ13 عاماً ضحية الإعتقال والسّحل والضرب على يد قوة احتلالية مدججة بالسلاح، وذلك بعد مهاجمته بشكل مفاجئ عندما كان متواجداً في محيط المدرسة، وبطريقة "مثيرة للإستفزاز وامتهان الكرامة". 

وفيما واظب دار سليم في تلك الأيام على متابعة نشرات الأخبار عبر عدد قليل ومحدود جداً من المحطات التي كانت متاحة على شاشة التلفاز آنذاك أمام سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، شاهد دار سليم نفسه بمحض الصدفة في نشرة الأخبار على التلفزيون الأردني، ومن ثم على التلفزيون السوري، حيث كان بإمكان الفلسطينيين مشاهدة القناة الإسرائيلية، والأردنية، وأيضاً السورية. لم تكن الخيارات كثيرة على الشاشة.

يقول محمد دار سليم أنه اندهش واستغرب بشدة، فسأل نفسه "مَن الذي صورني، فوثق ما جرى ونقله للعالم؟!.. لفت انتباهي اهمية الصورة وكيف تنتقل لكل العالم، فبات عندي شغف لمهنة التصوير لتوثيق الحقيقة وايصالها للعالمية. وبقيت الفكرة في ذهني وتراودني طيلة سنوات".

جاءت الفرصة عندما بدأت الانتفاضة الثانية التي اندلعت عام 2000، فكان أول حدث صوره دار سليم في حياته المهنية، ذلك القصف بقذيفة مدفعية الذي تعرض له مكتب اللواء جبريل رجوب حيث كان وقتها يشغل منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي.

وتوالت الأحداث طيلة الإنتفاضة الثانية، وقام بتوثيق كل شيء، "حتى أنني كنت امكث في رام الله 15 يوماً متواصلاً بعيداً عن عائلتي التي تسكن في بلدة جبع التابعة للقدس، خاصة في ظل خنق المدن والبلدات بالكثير من الحواجز الإسرائيلية".

بيدَ أن هاجس الصورة التي التقطت له عندما كان طفلاً معتقلاً ذات يوم في الانتفاضة الأولى، لا تزال تراود محمد دار سليم  في كل حدث يوثقه؛ إذ يشدد على أنه لا يفكر بحياته، سوى التقاط صور الحقيقة لما يجري كما تراها عينُ الكاميرا خاصته.

يقول دار سليم: "وثقت بالصورة عمليات اعتقال لفلسطينيين لم يفعلوا أي شيء، ونشرتها في الوكالات والمحطات التي أعمل بها، وفي مواقع التواصل الإجتماعي بعد ظهورها". وشكلت هذه الصورة مواداً استند إليها قانونيون ومحامون في كثير من الأحيان لمحاججة سلطات الإحتلال في محاكمها، دفاعاً عن المعتقلين الفلسطينيين، حيث كذبوا لمرات عديدة روايات جنود الإحتلال عن تعرضهم للضرب أو القاء الحجارة على يد المعتقلين، بناء على ما رصدته كاميرا دار سليم.

لم يتوقف طموح وحلم المصور الصحافي محمد دار سليم عند السياسة والميدان بحكم واقع الأحداث في فلسطين، بل تم اختياره من قبل المدرب بتصوير المهرجانات السينمائية إيفان أفريل، لتصوير وقائع مهرجان "كان" السينمائي الدولي عام  2011 على مدار شهر كامل، وذلك بعد خضوع محمد للاختبار. وكانت له فرصة كبيرة للقاء اشهر الممثلين والمخرجين العالمين وقد أجرى لقاءات معهم.

ويعتبر دار سليم هذه الفرصة بمثابة نقلة نوعية في حياته المهنية، حيث أنه رأى الوجه الآخر للعالم، لاسيما وأنه أول مصور صحافي فلسطيني يتم اختياره لتغطية مهرجان "كان" السينمائي. وقد تم اعتماد تصويره لوقائع المهرجان لبثه على القنوات الفرنسية كافة، وذلك بعد الإشادة بعمله ونوعيته؛ الأمر الذي عزز ثقته بنفسه، كما يقول محمد لـ"المدن".

ولعل حكاية دار سليم ليست الوحيدة في هذا المضمار، فهناك حكايات شبيهة لمن كانوا معتقلين وناشطين في الإنتفاضة الأولى، فأصبحوا في ما بعد صحافيين يعملون في وكالات دولية وشهيرة. وكانت المجلات التنظيمية والسياسية التي يقرأها الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، مثاراً للبعض كي تستهويه فكرة الكتابة والصحافة انطلاقاً من أهمية النشر والكتابة في خضم الثورة حينها.

وتُذكر هنا أيضاً قصة المصور الصحافي محمد فرّاج من مخيم بلاطة الواقع في مدينة نابلس، فكانت إصابته برصاصة إحتلالية في قدمه أثناء الإنتفاضة الثانية وما تعرض له، تحدياً له لدراسة الصحافة في جامعة النجاح، ومن ثم العمل حراً للعديد من الوسائل الاعلامية، قبل أن يعمل مصوراً في وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا". 

وقد عزز توق فرّاج للصورة الصحافية وإدراكه لأهميتها، تعرفه على العديد من المصورين الأجانب أثناء الأحداث الساخنة والإجتياحات الإسرائيلية لنابلس، بينهم "مارك" الذي اشتهر بصورته الصحافية التي أثارت ضجة كبيرة خلال اجتياح نابلس قبل أكثر من أحد عشر عاماً، وقد أظهرت تلك الصورة كيف أن جنود الاحتلال اتخذوا مِن طفل قاصر ربطوه على مقدمة جيب عسكري، كدرع بشري.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها