آخر تحديث:17:13(بيروت)
الخميس 14/03/2019
share

المُزيّفون.. أنبياء فايسبوك والصورة الثوريّة

عدنان نعوف | الخميس 14/03/2019
شارك المقال :
  • 0

المُزيّفون.. أنبياء فايسبوك والصورة الثوريّة
بعد سنوات من مراقبة الحَدَث السوري، ستكتشف سِمَات إضافية طبعتْ هذا الحدث، بينها قدرتهُ على إنتاج "ظواهر مدهشة" تجعلُكَ تتوهّم أنه المُحرّك لمخيّلة الأدباء والفنانين حول العالم، وأنه المَمرّ الإجباري الذي تَعبُرُ منه الشخصيات من الواقع إلى الخيال وبالعكس. 
 
سيُخالجك هذا الشعور بالتأكيد إنْ تحقق شَرطان، أوّلهما: أن تكون مِمّن عايشوا "العمل الثوري" خارج سوريا (في تركيا أو دول اللجوء الأخرى). وثانيهما أن يقع بين يديك عمل فني أو أدبي ذو بُعد بوليسي كمسلسل "رأفت الهجان"، أو يتحدّث عن بلاد تعيش تحوّلات سياسيّة كالعراق في رواية "صخَب ونساء وكاتب مغمور".

لا قواسم مشتركة بين هذين العملين سوى موضوع "الخداع". فبينما بنى المسلسل الشهير أسطورة للعمل الجاسوسي وإتقان أساليب التماهي مع المحيط، فإن تلك الرواية قدّمتْ لنا شخصية "وليد" المخادع والدجال الذي يتفنّن في انتحال أكثر من صفة. 

قد لا تسعفكَ الظروف لمعرفة "هجّان" سوري شكلاً أو فعلاً، لكنك بلا شكّ سترى وتسمع بنماذج تشبه "وليد"، ولن تقتصر أمثلتهُ الواقعيّة المحيطة بك على مجال الشعر والثقافة كما في الرواية، فالثورة أنتجت ْمنه نسخاً متنوعة في شتى المجالات.

وتتدّرج الأسباب والدوافع التي صنعت من هذه النسخ السوريّة مجموعة مُدّعين أو منتحلي صفات وأدوار، فهناك التكسّب والتعرّف على مَباهج الحياة المفقودة في سوريا الأسد، والحصول على تمويلات الداعمين، وصولاً إلى اختراق صفوف طرف لصالح آخر.

ناشطون وصحافيّون وقادة ورجال دين، افتُضح أمر بعضهم وعادوا إلى حقيقتهم، فيما استمرّ آخرون بتأدية أدوارهم في أكثر من موقع باستخدام تكتيكات متعدّدة.
هنا يَبرُز "محمد بايزيد" باعتباره المثال الأشهر، وهو وإنْ كان مُجرّد قمّة ظاهرة لجَبَل احتيال مُغطّى بمعظمه، فإن معاينة حالته (حين فبركَ محاولة اغتياله العام 2017 بزعم كونه مُستهدَفاً لإخراجه فيلماً يُدين نظام الأسد) تُساعد في فهم سلوك أقرانه المزيّفين في ميادين مختلفة، والذين اعتمدوا بالدرجة الأولى على سطوة السوشال ميديا، وإمكانيّة صناعة الوهم بسهولة تحت مظلّة "معارضة النظام".

الأسوأ من كل ذلك هو مناخ التعاطي ثوريّاً مع حالات مشابهة من الإدّعاء والزيف، واعتبارها - ولو بشكل غير معلن - مُبرَّرة بدواعٍ أمنيّة، وبكونها تأتي في خدمة "القضية" (ما لم تكتمل عناصر الفضيحة فيها)! فعلى سبيل المثال عندما استقال "إسلام علوش" من مهامه كمتحدث باسم "جيش الإسلام" قبل نحو عامين، وأعلن عودته إلى اسمه الحقيقي "مجدي مصطفى نعمة"، لم يَخرُج أحد ليشُدّ طرف الخيط الذي كُشِف على أمل أن تَكرّ سُبحة الحقائق. كما لم يبحث الإعلام المعارض في مدى مصداقية شخص كان يمثّل واحدة من أعتى معاقل الثورة (الغوطة الشرقية) ويُطلِق تصريحاته من مكان ما في هذا العالم!؟ والأدهى أن نقاشاً لم يُطرح حول دَور "الأسلمة" بالإسم، و"التعليش" بالنَسَب، وتربية اللحية، ولبس البزة العسكرية، واستعمالها كـ "عدّة شغل" للتحدث باسم الثورة، وإسكات أي تساؤل عن نوايا وارتباطات المتنكّرين بها؟! 

طبعاً وكما هو متوقّع ستأتي الإجابة من أطراف ثورية بأن "هؤلاء لا يمثلون الثورة". وبِنَقلِ النقاش إلى ملعب "التمثيل" ومدى صحّته، نكون قد وصلنا إلى سِمَة وظاهرة أخرى ألا وهي "كهنة الثورة" الذين حوّلوها من حدَث ومرحلة إلى دِيْن.

ليس المقصود بهذا الوصف وجود هوية دينية معينة للثورة، بل شُيوع صِيغ تعامُل وأحكام تُحاكي ما يَسود أحياناً أيّ منظومة عقائدية. ولإدراك ذلك، ما عليك إلا أن تفضح ممارسات ثورية يُمنع عادةً الاقتراب منها أو التصوير، عندها سيَجري إقحامك في جَدَل لغوي وفكري لا يختلف عن الجدل حول "جنس الملائكة"، ليتم بعدها رسم صورة نقيّة لكائن روحاني اسمه "ثورة"، تمهيداً لِرَجم المُمارسة الخاطئة وتشريف الفكرة الصحيحة!

ومثلما يستشيط المتعصّبون من أتباع ديانة ما، إذا وَضعتَ دينهم في سياق تاريخي وفصَلْتَ بين المُجتمَعِي والسياسي والغيبي، فإنّ كهنة الثورة أيضاً -وإن تشتتوا وتناحروا- سيتفقون على اتهامك بـ"الرِدّة إلى حضن الأسد" والانضمام للثورة المضادة والاستعداد للتصالح مع النظام.

"حِراك شعبي سلمي، فثورة مسلّحة غير مُخترَقة، فكيانات فصائلية وأسلَمَة شبه كاملة، فمَظَاهر ثورية في بلدان اللجوء تخضع لمزاج وتوجهات المموّل (وإنْ حاول بعضها حلحلة القَيد قليلاً)". هذا التسلسل ربما يُقرّ به معارضون من "أنبياء الفايسبوك والصورة" الذين جلسوا سابقاً أو يجلسون حالياً خلف شاشة كمبيوتر أو أمام كاميرا. لكنّه يظلّ بالنسبة إليهم إطاراً نظرياً لا يلغي إيمانهم بأنهم امتداد للصرخة الأولى للثورة! مع أن تلك الصرخة باتت بعيدة، وتشكّل خلفيّة صوتية للأجواء الثورية المفتعلة، وما بقيَ اليوم هو ظواهر تفسرّها طبيعة المرحلة وظروفها الشبيهة نسبيّاً بما عاشته مناطق نزاع أخرى، والتي أدت لظهور كائنات دراميّة تمتاز بالزّيف العابر للأزمنة والأمكنة.

"كي لا ننسى" هي العبارة النوستالجيّة التي تُستعاد مع طيّ عام جديد من عُمر الثورة السورية. لكن، وبمرور ثماني سنوات، فإنه لم يَعُد يكفي إحياء ذكرى الملامح النقيّة كمظاهرات حمص وصوت القاشوش وبطولات أبو الفرات، ولا التغنّي بالاحتجاجات الجديدة في درعا رفضاً لإعادة تمثال حافظ الأسد، واعتبارها امتداداً للزمن الجميل. ينبغي بَعدَ كلّ ما جرى أن يُضاء على وجوه غير مُشرِقة لا يشفع لها الجهل والعَماء (إن وُجِد)، ولا يبرّر لها صوت معركة سياسيّة أو عسكريّة أو قانونية أو أخلاقيّة "لا يعلو فوقها صوت". فتلك الذريعة هي التي أطالت بقاء نظام الأسد بكل عفونته أمام إسرائيل، واليوم تستمرّ أسماء وجِهات عدّة بامتطاء القضية السورية بذريعة المواجهة مع العدو الأسدي، مع أنهم تقاعدوا فعلياً حتى عن إصدار البيانات المندّدة!

مِنَ المتعذّر والمستحيل استرجاع ما نهَبهُ "ثوّار" و"شيوخ" و"قادة" و"سياسيون" من مكاسب ماديّة باسم "الحرية والكرامة و..". لكن ليس صعباً أن تُسترجَع الشعارات التي سرقوها، على الأقل، لِتُوضَعَ في مكانها الصحيح من التاريخ، ويَتمّ طيّ صفحة إقامة "المجالس" و"الإمارات" وصناعة الكيانات النفعيّة والشخصيات الوهميّة، وفتحُ صفحة ثوريّة جديدة تخاطب سوريّي الداخل والخارج من صميم واقعهم.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عدنان نعوف

عدنان نعوف

كاتب سوري