آخر تحديث:17:11(بيروت)
الجمعة 01/03/2019
share

طرابلس.. جيل إلكتروني لمواجهة تنميط المدينة

بشير مصطفى | الجمعة 01/03/2019
شارك المقال :
طرابلس.. جيل إلكتروني لمواجهة تنميط المدينة بلال مواس لـ"المدن": الإعلام التقليدي صوّر طرابلس اللبنانية على أنها "قندهار"
فتح الإعلام الجديد أبواباً واسعة أمام مجموعة جديدة من الشخصيات المؤثرة في طرابلس اللبنانية، حيث لم تعد القدرة على التأثير تقتصر على مجموعة من النافذين، وإنما تجاوزتها إلى أفراد خطبوا ود الهواتف الذكية وآمنوا بقدرة التكنولوجيا الحديثة على نشر الأفكار. 

يدرك المؤثرون الطرابلسيون حجم التحدي الذي يقع على عاتقهم، فهم يواجهون سنوات من التنميط وهو أمر ليس من السهل محوه، لا ببوست عبر وسائط التواصل الإجتماعي أو مقابلة تلفزيونية عابرة.

ورغم إختلاف الخلفيات الفكرية والثقافية بين هؤلاء المؤثرين، إلا أنهم يُجمعون على ضرورة تظهير الصورة الحقيقية لمدينة طرابلس. 

"الدبور الطرابلسي"
بسرعة البرق، تحوّل "الدبور الطرابلسي"، بلال مواس إلى محط إنتباه، فهو إمتلك القدرة على تظهير مواقف فئة كبيرة من أبناء الشمال، حيث إعتمد في تظهير لسعاته النقدية عبر "إذاعة الفجر" على مزيج من الدراما الإجتماعية، والوعظ المقتضب والنكتة السياسية. 

يحدد مواس عبر "المدن" هدفه بوضوح. فهو لا يلجأ إلى الكوميديا لأجل الضحك العابر وبناء النجومية، وإلا انساق وراء موجة النكات الجنسية التي "لا تجيزها الأخلاق"، فهو شاب ملتزم دينياً ومن بيئة محافظة لا تتفوّه بالكلام النابي. لذلك، يعتبر أن مدينة طرابلس كانت "ضحية الأجندات الإعلامية" حيث عمل الإعلام التقليدي على تصويرها "قندهار". ويتساءل لماذا عند وقوع جريمة في منطقة ما، يتعامل معها الإعلام كحادثة فردية، إما عندما تقع في طرابلس يتم إستثمارها لتعميم الصبغة الإجرامية؟

دفعت شهرة بلال مواس، عبر مواقع التواصل الإجتماعي، إلى إختياره "عنصر بطولة" في برنامج "بكل طائفية" عبر المؤسسة اللبنانية للإرسال، حيث عبّر خلال الحلقات العشر عن موقف "الفئة المحافظة التي ترتدي العباءة" ضمن قالب "تلفزيون الواقع المضبوط بسيناريو". ويكشف مواس أن النقاشات كانت تحتدم أحياناً في البرنامج إلى حد الصدام الفكري.

يعتقد مواس أن ظهوره عبر قنوات الصف الأول ساهم في إنتشاره، وبالتالي في قدرته على إيصال أفكاره لأكبر عدد ممكن. فاليوم، بات يمتلك ثلاثة حسابات ممتلئة "بالأصدقاء" في "فايسبوك"، بالإضافة إلى آلاف المشاهدات للمادة التي ينتجها عبر هاتفه الذكي، ويركبها منزلياً. ويجهد لتجاوز الأفكار التي يتم ترويجها عن المدينة التي حافظت على التعايش بين أبنائها المسلمين والمسيحيين، وما زالت تحمل شوارعها أسماء الراهبات والمطارنة. 

نساء يتصدين للفساد 
فرضت النسويات الطرابلسيات أنفسهن رقماً صعباً في خريطة النضال اللبنانية. وتعتبر ناريمان الشمعة، واحدة من تلك الشخصيات التي حملت لواء مواجهة الفساد، عبر الجهد الذي يدمج بين تجييش وسائل التواصل الإجتماعي والنزول إلى الشارع. 

كانت الشمعة صوتاً صارخاً وأحياناً وحيداً في المطالبة بحقوق طرابلس، وتؤكد لـ"المدن" أن وسائل الإعلام لم تكن دائماً إلى جانبهم، ويعود جزء كبير من النجاح إلى النداءات التي أطلقتها عبر "فايسبوك"، لذلك فاق تأثير مواقع التواصل، المنصات الأخرى، كالتلفزيون والجرائد.

برزت الشمعة في محطات عديدة، فكانت من الناشطات اللواتي وقفن في مواجهة مشروع مرآب التل الذي كان يسعى إلى تحويل قلب المدينة إلى موقف للسيارات. حيث بقيت رادارات ناريمان تعمل 24/24 ساعة لرصد أي محاولة للإلتفاف على الحراك الشعبي. كما تنصب بوستاتها التي "تثير الجدل بإستمرار" على الحفاظ على المباني التراثية ومواجهة جشع المقاولات، وكذلك قضايا الفقر، والتسرّب المدرسي، وتعديل قانون الإنتخاب. 

نجحت الشمعة في وضع طرابلس على جدول الحراك الشعبي إبان أزمة النفايات، ومن ثم كشفت عن الفساد في جبل المطمر الصحي في الميناء ومعامل الفرز والتلزيمات، وحملة "بحرنا برنا" لمحاربة الإعتداء على الأملاك البحرية.

لا تؤمن الشمعة بعبارة "كوني جميلة وإصمتي"، وإنما تسعى جاهدةً لتمكين المرأة في المجتمع، لذلك تقوم بتنظيم ورش العمل لتدريب النساء على سبل المحافظة على البيئة، كما كانت آخر إنجازاتها شبكة نساء بيئيات.

ترى الشمعة أن طرابلس في قلب الحراك السياسي والإجتماعي اللبناني لذلك سعت إلى إيصال صوت طرابلس من خلال الجهد الجامع لـ"مواطنون ومواطنات في دولة". 
المخترع
لم تبقَ القدرة على التأثير حكراً على المناضلين المخضرمين، وإنما برزت في الفضاء الالكترونيّ الطرابلسي مجموعة من الشبان المبدعين. ينتمي إلى هذه الشريحة، المخترع إيهاب حلاب الذي إختير ضمن قائمة أفضل 100 شخصية مؤثرة في العالم العربي، ومثّل لبنان أخيراً في القمة العالمية للحكومات في دبي. وأثبت نفسه ضمن قائمة الرواد الذين يضعون الحلول للمشاكل من خلال إختراعه الذي يقوم على فكرة جهاز يتم شحنه ويتيح للأفراد التنقل بصورة آمنة وبسرعة 20 كلم بالساعة.  

يشبه إيهاب حلاب ما تتعرض له طرابلس من تنميط، بما جرى في "فيلم بيروت" الذي صوّر عاصمة لبنان بأنها مأوى للعنف والإرهاب والعصابات. وما قام به صنّاع الأفلام في الخارج يمارسه الإعلام اللبناني التقليدي مع طرابلس من خلال تصويرها بأنها "مدينة تسيطر عليها التيارات الجهادية" ولا يُلبس فيها الشورت كما كان يظن حتى رفاقه.

كما أن المحاولات التي قامت بها بعض البرامج لتحسين صور طرابلس، إنصبت على إنتقاء "شخصيات سلفية كول" وتصوير الأحياء الفقيرة والمصابة من الحروب، وأهملت مقوماتها الإقتصادية والسياسية بإعتبارها العاصمة الثانية للبنان. 

ينتقد حلاب جهد البعض بالترويج للمدينة على أنها "أم الفقير" لأن المدينة أيضاً "أم الغني"، ففيها تجد أماكن السهر ونمط الحياة العصرية المتمازج مع التراث، والغني بالمواقع الأثرية. كما يطمح للترويج لطرابلس كمدينة حاضنة لإستراتيجية البحث والتطوير العلمي Research And Development  لأن إقتصاد المستقبل يقوم على الإستثمار في العلم والتشبيك بين الجامعات والحكومات والشركات والمراكز المختصة لخلق وظائف أكثر في عالم يتغير بسرعة. 

ساهم المخترع اللبناني في الوصول الكترونياً إلى فئة كبيرة من الشبان، وتحوّل نجاحه إلى نموذج يُحتذى وصورة حقيقية عن أبناء عاصمة الشمال. ويطمح حلاب إلى إستعادة لقب "مدينة العلم والعلماء وهو أشرف لقب يمكن أن تُعرف به هذه المدينة". 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها