آخر تحديث:13:11(بيروت)
السبت 09/02/2019
share

"الأجنحة المتكسرة" ليست سبب سقوطنا

ريما ابراهيم | السبت 09/02/2019
شارك المقال :
"الأجنحة المتكسرة" ليست سبب سقوطنا المحاولات لإبقاء جبران خارج المعركة وتصويب السهام فقط نحو الأستاذ، باءت بالفشل
خرجت من قاعة الإمتحان، التقيت ببعض الزملاء فناقشنا الأسئلة وتحققنا من الإجابات، وعدنا الى بيوتنا مسرورين لأن الأمور سارت على خير. هذا ما ظنناه. فقبل أن نصل إلى بيوتنا، كانت ورقة امتحاننا قد سبقتنا.. إلى وسائل التواصل الاجتماعي.


من جهتي، كانت الساعتان اللتان قضيتهما في قاعة الامتحان كفيلتين بتبديد ما شعرت به حين بدأت بقراءة النص. فعلاً كنت قد نسيت كم دُهشت واستفزيت وأنا أقرأه. نسيت أني احتجت دقائق عديدة لأسترجع أنفاسي وهدوئي وتركيزي، وأذكِّر نفسي بأني أنا مَن يُحاكَم في هذه القاعة ويُمتَحن، لا العكس.

الأهم هو أني نسيت لأن الموضوع لم يستأهل، بالنسبة إلي، التوقف عنده. اعتبرت أن النص تم انتقاؤه لأنه يسمح بتغطية مختلف موضوعات مادة القواعد. لذا أهملتُ مضمونه تماماً وانشغلتُ بالنحو والصرف، وأعربتُ واستخرجتُ أفعالاً وحرَّكتُ أواخر الكلمات.

مثلي فعل الباقون، إلا قلّة بقيت عالقةً في صدمتها ودهشتها، فعبّرت عن خيبتها في مجموعة الصف في "واتس آب"، ثم سرعان ما انتقل النقاش الى الفضاء الأزرق المنفلت من عقاله، ووصل الى عدد من "الناشطين" المتعطشين الى معركة يخوضونها ولو كانت مع خيالاتهم، والى انتصارٍ ولو افتراضي، ربما انتقاماً من سلسلة الانهزامات الحافل بها واقعنا.

في البداية كانت قضية أستاذ وضع بضعة أسطر تهين المرأة (الفقرتان الأوليان من النص)، فبدأت محاكمته بتهمة الذكورية والتخلف وغيرها مما فاضت به قريحة المعلقين. ثم اتضح أن النص له تكملة وانه مأخوذ من قصة "الأجنحة المتكسرة" لجبران خليل جبران، فعمّت الفوضى وظهر التردد لبعض وقت، الى أن حسم البعض أمره ومضى في محاكمة النص غير عابئ بـ"نبوة" جبران، رافضاً الاستسلام لعصمته ومنعته وحصانته ضد النقد.

جاء من ينبّه إلى عبثية هذه المحاكمة، فالنص عمره أكثر من مئة عام، ولا يمكن لعاقل أن يحاكمه متجاهلاً تاريخيته. فتم تحويل مسار المحاكمة، لتعود فتتوجه نحو الأستاذ الذي انتقى نصاً بَطُلت موضته. بالطبع، وعلى جاري العادة، انصبت المحاكمة على شخصه والأسباب الخفية، الأمراض النفسية، التي دفعته لمثل هذه الفعلة.

لكن المحاولات الحثيثة لإبقاء جبران خارج المعركة وتصويب السهام فقط نحو الأستاذ، باءت بالفشل، إذ رسا الأمر في النهاية على محاكمة الأستاذ باعتباره "ناقل الكفر". فشهدنا محاكمة للنص الأدبي الذي يبلغ عمره 107 سنوات بتهمة أنه "بوليتيكلي إنكوريكت" بمعايير المنظمات غير الحكومية اليوم.

لا شك أنه الفراغ. ويبدو أنه أصبح ثقيلاً جداً على رواد مواقع التواصل لدرجة جعلتهم ينصبون أقواس محاكمهم الفايسبوكية التفتيشية، كلما شعروا بالملل واحتاجوا سيرة يلوكونها وضحية يفتكون بها. فمنذ أسابيع كان دور يحيى جابر، ليحاكَم أخلاقياً كمؤلِف، على تصرفات وأقوال إحدى شخصيات مؤلَّفه. ولا شك أنها السذاجة، تلك التي تهيّء لأحد أن بإمكانه استعمال أدوات اليوم ومعاييره، لإدانة الماضي، لا للإضاءة، مثلاً، على المسافة التي أصبحت تفصلنا عنه، إن صح ذلك. الماضي الذي لولاه لما كنا، بعضنا على الأقل، ولما كان خطابنا (خطابهم) ما هو عليه اليوم.

لا شك أنه التمثل بالجلاد، ذلك الذي يدفع مناهضي التنمّر، أنفسهم، الى ممارسة كل صنوف التنمّر، من فوقية وعدوانية وتحقير، في حق من يختلفون معهم بالرأي. وإن لم تكن الإهانة والتجريح الشخصي والتكتل والترهيب تنمراً، فما هو التنمر؟ إنها المهزلة بلا شك، حين يخلط المنادون بالحرية، حرية الرأي تحديداً، بين الرأي وشخص صاحبه، فيشتمون القائل حين لا يعجبهم القول.

الفرق كل الفرق يكمن في التمييز بين الشتيمة والرأي. الشتيمة ليست حقاً لأحد، بل بالعكس هي اعتداء على واحد من أهم حقوق الإنسان. وهنا لب المشكلة فإذا كانت حرية التعبير (المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) حقاً من حقوق الإنسان، فالحق باحترام السمعة (المادة 12 من الإعلان) هو أيضاً حق من حقوق الإنسان، وهو يتقدم على الحق في التعبير ويشكل أحد القيود عليه (المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية).

منظومة حقوق الإنسان منظومة متكاملة، فإما أن نأخذها كلها، وإما نتركها كلها. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن من حق أي شخص أن يعتنق أي فكر، أعجبني ذلك أم لم يعجبني، ومن حقي أن أعبّر عن رأيي في الفكر وأنتقده وأناقشه وأحاول تقويضه بمحاججته ونشر فكر مختلف. لكني لا أملك منع الآخر من التعبير عنه، لا أملك التعرض للشخص وكرامته بسبب الآراء التي يحملها (منظومة حقوق الإنسان ترفض معاملة المجرمين بقسوة وبطريقة تحط من كرامتهم وإنسانيتهم، فما بالكم بغير المجرمين ممّن عبّروا عن آراء نختلف معها).

هذا ما يتوه عنه كثيرون من ناشطي الحريات وحقوق الإنسان، ومن بينهم أشخاص يتصدرون المشهد في قضايا عامة، ومن المفترض أنهم يسعون إلى رفع الوعي وخلق رأي عام مؤيد لوجهة نظرهم في تلك القضايا. ونستغرب.. لم نفشل في تجميع الناس حول قضاياهم الحيوية؟

بالعودة الى نقطة البداية، حين قرأت النص انزعجتُ. أخذتُ نفَساً عميقاً ونظرت حولي، وتأملتُ حيثيتي جيداً. الغالبية الساحقة من زملائي وزميلاتي، يوافقون على مضمون النص بتاريخيته وراهنيته. الأستاذ يراهم جيداً ويحاورهم في كل محاضرة. هذا النص يعتبر ثورياً بالنسبة إليهم، ولهذا السبب انتقاه. ماذا يقصد أحدهم عندما يسأل في "فايسبوك" إن كان مازال في هذا الزمن مَن يفكر بهذه الطريقة؟ عن أي زمن يتكلم؟ وأي طريقة يقصد؟ أي معايير نتعتمد للقياس؟ معايير الأكثرية أم معايير الأقلية؟

هم الأكثرية. أما أنا فأنتمي إلى أقلية تكاد لا تُرى، ولولا صوتها العالي، فتكاد أيضاً لا تُسمع. وأنا لم أُشفَ بعد من داء الرغبة في أن أُسمَع، ولم أُشفَ بعد من ألم الخيبات، خيبات العجز عن إحداث أي تغيير، كما لم أُشفَ بعد من الأمل. لذلك أسأل: لمن تتوجه الخطابات التي قرأتها البارحة؟ مع من يتكلم بعض الناشطين والناشطات الذين شخصنوا خطابهم وحمّلوه الكثير من عبارات الكراهية والإهانة؟ هل يظنون أنهم بخطابهم الإلغائي يستطيعون تغيير العقلية الذكورية؟ ألا يخطر في بالهم أن هذه الفوقية وهذا التعالي يعمقان الهوة بينهم وبين من يخاطبونهم، وأنها تزيد غربتهم عن محيطهم وتخفف من قدرتهم على التأثير فيه؟

من يحتاج هذه "التوعية" التي يدّعون نشرها؟ من يحتاجها لا يسمع خطابهم، ومن يسمعه لا يفهمه، وإن فهمه فسيعتبره مهيناً، وسيشغل كل آلياته الدفاعية ضده. هذا الأسلوب في الخطاب مسؤول عن خسارتنا معظم معاركنا. لم نربح قضية من القضايا التي ملأنا الساحات صراخاً مطالبين بها. لأننا كنا وبقينا أقلية. بقينا كذلك لأن الجموع تنفضّ من حولنا عندما تسمع خطابنا.

إن كنا نريد أن نُسمع وأن نُحدث فرقاً، فلنبدأ باحترام مَن نتوجه إليهم، فلنتكلم لغة يفهمونها ولا تشعرهم بالتهديد ولا تحطمهم. إما هذا، وإلا فستبقى كل قضايانا زوابع في فنجان.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ريما ابراهيم

ريما ابراهيم

كاتبة وناشطة حقوقية لبنانية

مقالات أخرى للكاتب