آخر تحديث:19:37(بيروت)
الخميس 07/02/2019
share

ريا الحسن.. القوة الناعمة

نذير رضا | الخميس 07/02/2019
شارك المقال :
ريا الحسن.. القوة الناعمة
بابتسامة حياء، مشت الوزير ريا الحسن تستعرض حرس الشرف أمام وزارة الداخلية. لم تعتد في السابق على شكليات إدارية. فقد قضت تجربتها في وزارة المالية، وبعدها في إدارات رسمية كثيرة، خلف الأرقام، تحسب ما يمكن أن ينقذ البلاد من التدهور، وتحتسب لمستقبل البلاد أيضاً، بعيداً من تلك الشكليات.


بفخر، وقفت أمام ضابط يؤدي لها التحية العسكرية. سرعان ما تجاوزت ضرورات هذا البروتوكول، وتقدمت الى وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق، تصافحه بحرارة. كان الحدث جزءاً من صورة اعلامية ضرورية، يجب أن تراعيها. فلا مناص من استعراض حرس الشرف، ولا من الاطلالة في مواجهة رتب عسكرية ونجوم وتحايا... ومع أن البروتوكول فرض الزامي، إلا أن الابتسامة تخفي ثقل الاسئلة والملفات.


تقف اليوم وزير الداخلية ريا الحسن في طليعة قوة انفاذ القانون. من غير بزة رمادية، تواجه موروثاً ثقيلاً من محسوبيات عادة ما تصنع زعامات، وتمتّن علاقات، وتقوّي الاجنحة الشعبية لأي وزير يتقلد هذا الموقع. وهو، للأمانة، نتيجة حتمية للقوة التي يمنحها الموقع لصاحبه، عن قصد أو غير قصد.

ثمة مقاربتان للحسم السياسي والامني، تستندان الى مفهومين متباعدين من القوة. "العصا الغليظة" و"القوة الناعمة". الاولى ترهب، والثانية تنجز بلا أدنى أثر عنيف. عندما زكّى الرئيس سعد الحريري، الوزيرة الحسن لوزارة الداخلية، اختار المقاربة الثانية. أراد في الوزارة قوة تجسد القدرة، وليس العنفوان. ثمة امرأة حديدية، وفولاذية، وامرأة مبتسمة. تمثل الحسن هذا التوجه الأخير، وكرسته في صورتها التي تناقلها الفخورون بها، وباتت علامة فارقة في منصات التواصل الاجتماعي منذ تسلمها الوزارة.

غير أن الابتسامة هنا، تنمّ عن القدرة بما يتخطى الخفر. هي ابتسامة ثقة يجب أن تُستهل فيها تجربة وزارية جديدة، يمثل الوزراء الرجال في العالم العربي حافظتها الدائمة، وتعرضوا خلالها لاختبارات القدرة على الصمود والانجاز. كما اختبروا فيها القدرة على المواجهة، في داخل الجسم الاداري وخارجه: النافذون ومراكز النفوذ، وسياسيون يطالبون بالخدمات، ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان، والمنظمات الدولية، ومراقبي الانتخابات، والسفارات...

تدرك الحسن هذه التحديات وهو ما اختارت مواجهته منذ إطلالتها الاعلامية الرسمية الاولى. في حسمها الأول حول المحسوبيات، شرّعت باب التقديرات حول مقاربتها للملفات في وقت لاحق، وما يصطلح على تسميته بالمهام، أو بالاجندات اللاحقة، أو بالتحديات، أو بجدول الاعمال.

ثمة سباق بين الأجهزة الأمنية يستدعي تثبيته عند نقطة التنسيق. وثمة محسوبيات سياسية تخرق جسم الجهاز الواحد التابع ادارياً لها. وثمة أجنحة داخل الوزارة وخارجها، تستدعي ضبط ايقاع تحليقها. لذلك، اتخذت قرار الحسم، تمهيداً لمواكبة استحقاقات لا يمكن أن تنفذ بـ"المسايرة" و"التطنيش".

وفي الملف السياسي والأمني والشأن الداخلي، ثمة انتخابات مقبلة ستشرف الوزارة على اجرائها في ربيع 2022، ومروحة واسعة من الخلافات والتناقضات، بدءاً من ملف عودة النازحين السوريين، وصولاً الى البناء العشوائي وأزمة الطرقات وزحمة السير، واستكمال جهود القضاء على الارهاب، وتطويق الاشكالات الداخلية وملاحقة المتسببين بجرائم كبيرة. واستناداً الى خلفيتها الإدارية ودرايتها للوضع الاقتصادي، تدرك أن هناك استحقاقاً محتملاً يتمثل في التظاهرات في الشارع على خلفيات اقتصادية. أما الملف الحقوقي، فله حصة كبيرة، بدءاً من ملف اكتظاظ السجون، الى مراعاة حقوق الانسان في التحقيقات، وصولاً الى ملاحقة معنفي النساء...

مع أنها امرأة من خارج النادي الأمني، وهي تتمتع بتجربة كبيرة على صعيد العمل الإداري، تخوض الحسن هذه التحديات. فقد حضرت ملفها جيداً لتعزيز ثقة المراهنين عليها. في اطلالتها الاولى، اكدت أنّها ستتشدّد في تطبيق القوانين المتعلّقة بالعنف الأسري وإطلاق النار والسلاح المتفلّت وقوانين السير. وطلبت "من كلّ امرأة معنّفة أن تتذكر أنّه يجب على كل مخفر في كل قرية حمايتها". كذلك، تحدثت عن ان حقوق الانسان لا يتعارض مع الامن، وفق رؤية حقوقية للملف الامني، استتبعتها بالتفاتة نحو ملف السجون.

والحال، إن الاطلالة الاولى، ثبتت واقعة حقوقية، ودحضت الصورة المسبقة التي سارع المغردون اللبنانيون الى تكريسها يوم اعلان تشكيل الحكومة، لجهة اضاءة الوزارة باللون الزهري. فهي هنا، على يقين، بأن المهمة لن تكون سهلة، وفي الوقت نفسه، مهمة جدية تحتاج لاثبات حضور المرأة الفعلي في كافة المناصب، بعيداً من الصورة النمطية المرتبطة بالترف، أو تلك الصورة المتشددة المتربطة بالمرأة الفولاذية. ثمة مساحة وسطى تدفع بالمرأة في صدارة المواجهة. وفي الوقت نفسه، تختبر فيها القدرة على انفاذ القانون والحوكمة. لذلك، باتت رهان الرئيس الحريري ليس كمعاونة سياسية، بل كشخصية صاعدة من الادارة تمتلك مقومات الانجاز، وعنصر اساس في انجاح التجربة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها