آخر تحديث:17:41(بيروت)
الأربعاء 06/02/2019
share

تعديلات "الأحوال الشخصية" السورية.. وضغوط تجاهلها إعلام النظام

وليد بركسية | الأربعاء 06/02/2019
شارك المقال :
تعديلات "الأحوال الشخصية" السورية.. وضغوط تجاهلها إعلام النظام
لا مجال للدهشة أمام الانقسام في مواقع التواصل، بفعل التعديلات الأخيرة التي أقرها مجلس الشعب في قانون الأحوال الشخصية في سوريا. فالقانون العتيق الذي يعود عمره لأكثر من ستة عقود، يشكل نموذجاً مثالياً لشرح معنى الدولة الهجينة التي تشكلها سوريا الأسد، والتي لا يمكن الإقرار بهويتها إن كانت إسلامية أم علمانية أم مزيجاً مشوهاً من الاثنين، وتأتي التعديلات الطفيفة اليوم لتكريس تلك الخاصية بدلاً من نسفها بالكامل.


ورغم المباركات العديدة التي تداولها المعلقون في "فايسبوك" و"تويتر"، بصيغة واحدة تقريباً عبر مبدأ القص واللصق، انحرف النقاش كلية نحو الحديث عن جدل مستمر منذ سنوات، حول هوية الدولة المنشودة في سوريا، ولا يماثل ذلك الجدل ما أفرزته الثورة السورية العام 2011، عندما كان الحديث يشمل كل السوريين، بل اقتصر النقاش على طبيعة المأمول من النظام السوري، وخيبة الأمل من النفوذ الذي يحظى به رجال الدين في البلاد، والذي أكدته التعديلات على القانون.

في هذا السياق، كانت هنالك الكثير من التناقضات، فتحدث البعض عن أن التعديلات انتصار للمرأة السورية، بينما قال آخرون أنها مجرد مسكنات مؤقتة، وطالب البعض بتعديلات جذرية لتحقيق العلمانية، فيما رآى آخرون أن التعديلات تمس الشريعة الإسلامية ويجب مقاومتها، وقال آخرون أن التعديلات جيدة وأن التغيير لا يحدث بشكل شامل، بل هو أمر يحدث بخطوات صغيرة متتالية، لكن ذلك الرأي بالتحديد قوبل بالسخرية لأن آخر تعديل طرأ على القانون نفسه يعود لخمسين عاماً، ما يعني أن الأمر يتطلب قروناً لإحداث تغيير حقيقي لصالح الإنسان والحقوق المدنية والفردية في البلاد.

وأمام هذا الجو المشتت، بين أطياف فكرية متعددة، يمكن تفهم ميل النظام إلى الإحجام عن إجراء تعديلات في قانون الأحوال الشخصي، رغم الانتقادات المحلية والدولية له منذ سنوات كثيرة، ورغم أنه يتعارض بشكل كبير مع العلمانية التي يروج في خطابه الدعائي والدبلوماسي أنه يمثلها في الشرق الأوسط، حيث تأتي التعديلات كتسويات قانونية مع القوى البارزة المتحالفة مع النظام، ضمن مبدأ  "مراعاة الخصوصية السورية"، وتكون النتيجة هي "اللا قانون" إن صح التعبير.

وأشار المعلقون مثلاً إلى تناقض التعديلات الجديدة مع بعضها البعض، فبينما نصت المادة 16 على رفع سن الزواج بالنسبة للذكور والإناث إلى 18 عاماً منعاً لاستغلال القاصرين، نصت المادة 18 على إعطاء الحق للقاضي لتزويج المراهقين عند بلوغهم سن 15 عاماً في حال رأى أنهم مؤهلون فكرياً لذلك! مع الإشارة إلى أن التعديلات مسّت فقط قانون الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين وليس ببقية الطوائف، ما يعني أن المشهد ما زال بعيداً عن الانحياز الرسمي نحو المدنية والعلمانية، الذي تدعيه وسائل إعلام النظام في تعليقها على التعديلات.

والحال أن النظام أراد تغيير قانون الأحوال الشخصية قبل الثورة السورية، وكان قريباً من تحقيق ذلك عندما طرح الأمر للنقاش العام 2009، لكن التعديلات المقترحة حينها أوقفت بسبب ضغط وزارتي العدل والأوقاف ومجموعة من رجال الدين، والذين اعترضوا على المس بأن يكون القانون تكريساً للفقه الإسلامي في البلاد، وأشار المعلقون إلى هذه الحادثة بكثافة، للقول أن النظام أراد دائماً الحفاظ على علاقته الجيدة مع رجال الدين، السنّة بالتحديد. وذكر حقوقيون أن الوزراتين رفضتا حينها تعديلات شكلية، مثل تسمية عقد النكاح بعقد الزواج، وهو نصر صغير حققته التعديلات اليوم.

وهنا يمكن تفهم خيبة الأمل لدى التيار العلماني السوري من التعديلات، فـ"سوريا الأسد" لم تكن دولة دينية بالكامل على غرار السعودية أو إيران، إلا أنها لم تكن أيضاً دولة علمانية مدنية.

اللافت أن إعلام النظام لم يتحدث عن الضغوط التي مارستها الأمم المتحدة وهيئات دولية على النظام للقيام بالتعديلات. لكن وسائل إعلام محلية نقلت عن عضو مجلس الشعب نبيل صالح، تلك النقطة المهمة هنا، لأنها تعني أن هذه التغييرات الشكلية ليست موجهة للمجتمع السوري، بل هي رسالة من النظام للمجتمع الدولي للقول أنه مستعد للتصدي للتطرف الإسلامي وأنه مازال في الإمكان إصلاحه من أجل التعامل معه في فترة إعادة الإعمار، في وقت تروج فيه حليفته روسيا لضرورة كتابة دستور جديد للبلاد. ولا يعني ذلك تغييراً جوهرياً بقدر ما هو تغيير يلائم "خصوصية المجتمع السوري"، ضمن المعطى السابق.

ما يؤكد هذه الحقيقة أن القانون لم يغير جوهرياً في مسألة حقوق المرأة السورية، وهو الأمر الذي ركّزت عليه منشورات كثيرة في مواقع التواصل، وذلك رغم وصف المرأة بأنها أكبر المستفيدين من القانون الجديد. فلم يتم مثلاً إقرار الزواج المدني، ومازالت المرأة السورية المسلمة ممنوعة من الزواج برجل من دين مختلف لأن ذلك "حرام شرعاً"، بينما يقبل زواج المرأة المسيحية برجل مسلم. ولم يكفل القانون بتعديلاته، للنساء، زيادة في النفقة بعد الطلاق ولم يمنع الطلاق التعسفي ولم يعطها المساواة في الميراث ولا حتى حضانة أطفالها في حال الطلاق ولم يمنع تعدد الزوجات، وكلها مطالبات يكررها التيار العلماني في البلاد. علماً أن التعديلات أتت على شاكلة إعطائها الحق في الاعتراض على الزواج الثاني للرجل أو تبديل عبارة "تحل له" في عقد الزواج بـ"يحلان لبعضهما".

بالتالي، ما نجحت التعديلات على قانون الأحوال الشخصية في كشفه، هو حقيقة الطائفية التي بنيت عليها "الدولة السورية"، وكيف بات السوريون يبحثون عن هوية للدولة التي يحلمون بها، بعد سنوات الحرب في البلاد، مع التساؤل مجدداً عن مدى صواب التغيير الآتي من الأعلى إلى الأسفل. إذ أتت التعديلات على القانون من دون نقاش عام، وبسرعة تذكر بالتعديلات في الشروط التي يجب توافرها في رئيس الجمهورية بعد وفاة حافظ الأسد.


























شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها