آخر تحديث:17:46(بيروت)
الأحد 03/02/2019
share

ترويض الرأي العام.. واحدة من مهام الوزيرات الأربع

يارا نحلة | الأحد 03/02/2019
شارك المقال :
  • 0

ترويض الرأي العام.. واحدة من مهام الوزيرات الأربع

ينطوي النقاش الذي أحاط بتولي أربع سيدات لبنانيات حقائب وزارية، على خفّة في التعاطي مع قدرات المرأة، وعدم الثقة، وهو جزء من موروث ذكوري فاقع، ومن أداء اعلامي لم يعوّد نفسه على النظر للمرأة بمسؤولية، ومن أشخاص لا يتمتعون برؤية جندرية، ومازالوا عالقين في الماضي.

وإذا كان البعض قارب الحدث من منظور سياسي، فإن التعاطي معه من زاوية جندرية، مازالت تناقش أهلية النساء وقدرتهن على النجاح، يكتنفه الشعور بالرجعية، ذلك ان الوزيرات يمتلكن تجربة سياسية وادارية وسجل نجاحات في الادارات والمواقع التي عملن بها.

لم يخلُ خبر تشكيل حكومة تضمّ أربع وزيرات من المفاجأة بالنسبة للبنانيين. فالأمر يعدّ سابقةً، خصوصاً لجهة تولّي امرأة (وهي ريّا الحسن) لوزارة الداخلية والبلديات. رأى البعض في هذه الخطوة بادرة خير وأمل، معولاً على الوزيرات الأربع للنهوض بوضع المرأة اللبنانية وتمثيل قضاياها، فيما إستخفّ آخرون بهذا التمثيل على إعتبار أن النساء لم يصلن إلى الوزارة بجدارتهن وإنما من باب التبعية الحزبية والمذهبية والتوريث السياسي.

إلا أن التفاعل مع القضية لم يبقَ ضمن هذه الحدود المقبولة والمشروعة، بل شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تمادياً لا أخلاقي في التعاطي مع موضوع مشاركة المرأة السياسية، إذ حفلت هذه المنصات بالتعليقات المهينة والمنتقصة من كرامة المرأة والمشكّكة بقدرتها على تولّي مهام سياسية. وقد عبّر البعض عن عدم قدرته على تخيّل مشهد امرأة تدير وزارة أو أي جهاز رسمي، وتصوّر آخرون الوزيرات الأربع وهن "يعقدن إجتماعاً عند الحلاق".

ولعلّ أكثر التعليقات بغضاً هي تلك التي طالت وزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية مي شدياق، فقد تعرضت للتنمّر، وهي ذروة الانحطاط في مقاربة مسألة تمكين المرأة، وفي التعاطي مع شدياق نفسها. 

أما ريا الحسن، فقد انزلق أحد الإعلاميين الى مستوى التشكيك بقدراتها، قائلاً إنها لا تصلح لتولّي وزارة الداخلية، بعكس نهاد المشنوق الذي "لا يوجد على قياسه اليوم بين وزراء الحريري".

كما لم يفوّت أحد المحللين السياسيين المعروف بكراهيته تجاه النساء فرصة تذكير السيدات الأربع بمهامهن النسائية من "ضبضبة، وترتيب، وترطيب مجلس الوزراء"، ذلك على إعتبار أن الوجود الأنثوي في الجلسات الحكومية سوف يحدّ من الكلام البذيء الذي يتخاطب به الوزراء، وهو أمر لا يصلح في حضرة النساء. وأضاف المحلّل قائلاً: "هناك أربع نساء، كل واحدة بتضبّ ثمانية وزراء،" وكأنه بذلك يعترف أن الوزراء الذكور هم كالمراهقين الذين إكتشفوا الشتائم للتوّ، وهم بحاجة للرعاية الأمومية التي تقدّمها بالطبع الوزيرات، انطلاقاً من "واجبهن الطبيعي".

هذا عدا عن وزارة الدولة للتأهيل الاجتماعي والاقتصادي للشباب والمرأة والتي استعيض بها عن وزارة المرأة في الحكومة السابقة. وبعد أن طالت الوزارة السابقة العديد من الإنتقادات لأنها كانت في عهدة رجل، إستدرك مشكّلو الحكومة هذه المرّة خطأهم وعيّنوا إمرأة على رأس وزارتها. لكن هذه الخطوة الحسنة قابلها إنزلاق في مكانٍ آخر، وهو الاختيار غير الموفق لإسم الوزارة نفسها. ولم يلتفت أحد أثناء تسمية الوزارة إلى الإهانة التي تنطوي عليها فكرة "تأهيل" المرأة، وكأن المرأة تفتقد للأهلية.

وبعد الإعلان عن الوزارة بتسميتها الجديدة المبتكرة، وتوجّه أسهم الإنتقاد إليها، سارعت رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة كلودين عون روكز إلى المطالبة بتعديل اسم الوزارة لتصبح "وزارة تمكين المرأة". كما أقرّت فيوليت خيرالله التي تولّت هذه الوزارة بضرورة تغيير التسمية مؤكّدةً أنها ستبحث في الأمر مع رئيس الحكومة.

وقد ارتأت إحدى الصحف ضرورة تسليط الضوء على ملابس الوزيرات في أوّل جلسة وزارية، وهو أمر لم نعتد حدوثه في الوزارات السابقة الزاخرة بالرجال. وفي جولةٍ على الصحف والتقارير التي تتناول السير الذاتية للوزراء الجدد، نلحظ أن أوّل الأمور التي يتمّ ذكرها في "بورتريه" حول إحدى الوزيرات هو حالتها الزوجية وما إذا كان لديها أطفال، وهو أيضاً ما لا ينطبق على المسؤولين الذكور.

تنتظر شدياق، الحسن، خيرالله والبستاني مهمّة صعبة تبدأ "بترويض" الرأي العام، وربما دفع زملائهم الذكور في المجلس الى التأقلم مع واقع جديد واجبارهم على القبول بهن كندّ، ولا تنتهي بإثبات جدارتهن وفرض إحترامهن على الشعب اللبناني الذي يبدو أنه غير جاهز بعد لتقبّل عمل المرأة في السياسة.

ولا يلام اللبنانيون بشكلٍ كامل على قلّة إيمانهم بالوزيرات، ذلك أن معظم من تمّ تعيينهن في السابق لم يفعلن ما من شأنه إثبات فعالية المرأة في العمل السياسي، وهو ما يقع على عاتق الجناح النسائي للحكومة الحالية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها