آخر تحديث:14:21(بيروت)
الإثنين 18/02/2019
share

إلى المُنادين بإلزامية "أحوال شخصية مدنية".. هذا وأد للقضية!

ريما ابراهيم | الإثنين 18/02/2019
شارك المقال :
إلى المُنادين بإلزامية "أحوال شخصية مدنية".. هذا وأد للقضية! مظاهرة للمطالبة بإقرار الزواج المدني في بيروت (أرشيف - علي علوش)
في مقابلة معها على قناة "يورونيوز"، قالت الوزيرة ريا الحسن إنها ستسعى "لفتح حوار جدي وعميق مع كل المرجعيات حتى يصبح هناك اعتراف بالزواج المدني". جوابها هذا تمت بروَزته، وانطلق يجول الصفحات الفايسبوكية مصحوباً بالسلام عليها.
الفايسبوكيون، أو بعضهم على الأقل، لم يكتفوا بالاحتفال والاستبشار بتصريح الوزيرة، إذ اعتادوا الشجار، ومن دون "فورة الأدرينالين" لا تحلو لهم الحياة. ولما لم يجدوا من يجادلهم، ربما بسبب الانشغال بمعركة أخرى حول الوطنية والعمالة، تشاجروا مع أنفسهم، فنكشوا تصريحاً للمفتي قباني يعود الى العام 2013 وبدأوا بتداوله والرد عليه كما لو كان خبراً طازجاً. علماً أن المفتي عبد اللطيف دريان أصدر اليوم بياناً لا يختلف في الجوهر عن بيان 2013.

"كل مسؤول يواكب تشريع الزواج المدني هو خارج عن الاسلام لا يدفن ولا يغسل ولا يكفن". ست سنوات مضت على هذا التصريح، وقد لقي في حينها عاصفةً من الردود أدت الى فتح الحوار حول الزواج المدني على مستويات عديدة، أظهرت حجم القلق لدى المرجعيات الدينية من طرحه، وحجم الجهود المبذولة من قبلها للتصدي له. 

ولعل أخطر طرح معادٍ لطرح قانون مدني للأحوال الشخصية كان في تخيير المطالبين به بين خيارين لا ثالث لهما: إما البقاء في طوائفهم وبالتالي الخضوع لقوانينها، أو الخروج منها وتأسيس طائفة جديدة وتشريع قانون مدني خاص بها. وهو الأمر الذي يبقي على النظام الطائفي كما هو، ويضيف إليه طائفة لطالما "حُكي" عنها وهي طائفة "العلمانيين". 

للوهلة الأولى، قد يبدو للبعض أن طرحاً مماثلاً هو انتصار، ولو جزئي، للمطالبين بقانون احوال شخصية مدني، وخطوة في الاتجاه الصحيح. لكن تأملاً متعمقاً في الأمر يظهر العكس، فخطوة مماثلة من شأنها إيجاد حلول للعلمانيين كأفراد، لكنها تقضي حتماً على كل تطلعاتهم كمواطنين يسعون لبناء دولة مدنية لا طائفية.

فهذا الطرح من شأنه أن يساهم ليس فقط بتكريس النظام الطائفي وإدخال طائفة العلمانية في صراع على الحصص مع غيرها من الطوائف، وإنما أيضاً بتفريغ الطوائف "التاريخية" ممن يمكن أن يخلق حركة تغييرية داخلها. فالعلمانيّون والمدنيّون المتضررون من النظام الطائفي، أصبحوا خارجها ولم تعد لديهم مصلحة، أو حتى صفة، لخوض معارك داخل الطوائف تساهم في دفع عجلة التغيير فيها قدماً. مما يؤدي إلى تأبيد النظام الطائفي أو في أفضل الأحوال الى تجديد شبابه وإطالة عمره. 

هذا التحليل لم يكن متفقاً عليه بين جموع المطالبين بإقرار القانون المدني، إذ شهدت وسائل التواصل الاجتماعي وحلقات الحوار التلفزيونية نقاشات طويلة وحججاً متنوعة ومختلفة، منها ما يرفض إنشاء الطائفة 19، ومنها ما يؤيد. من بين المؤيدين لمثل هذا الطرح وجوه معروفة بمساندتها للقانون المدني، لذا يمكن القول إن الأمر ليس بديهياً وإنه يحتاج الى مزيد من النقاش الهادىء والمتأني.

بالعودة الى الحاضر، يبدو أن البُعد عن التأني والهدوء هو ما يزال يطبع النقاش حول الزواج المدني. إذ شهدنا، أمس الأحد، تصريحات متهورة لناشطين، صيغت على عجل من دون حدٍ أدنى من التدقيق حتى في منطقها الذاتي، ناهيك عن التدقيق في واقعيتها واحتمالات تطبيقها.

من هذه التصريحات ما خلاصته: إما أن يكون القانون المدني إلزامياً وإما فلا، وذلك بعذر أن القانون الاختياري يُبقي على النظام الطائفي وينشئ طائفة جديدة. 

وهو طرح أولاً غير دقيق، على الأقل لجهة "تلقائية" تأسيس طائفة جديدة. فالأمر ليس بهذه البساطة وهنالك خطوات قانونية كثيرة يستلزمها تأسيس "طائفة"، وهذا مبحث آخر. 

ثانياً، إذا كان يُحسب لمثل وجهة النظر هذه، أنها تعي خطورة حصر العلمانيين في طائفة مستقلة، إلا أنه يحسب عليه أنه يريد الكل أو لا شيء، يحسب عليه أنه يتجاهل كل تاريخ النضال في هذا المجال، يحسب عليه أنه لا يزال يعيد خطاب الخمسينات "الإيديولوجي" نفسه، الخطاب الذي عارض إقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية حين كانت الفرصة أكثر من مؤاتية، والذي لولاه لما كانت حالنا اليوم على ما هي عليه.

وثالثاً والأهم، أنه طرح لا يعي مُطلقُه حجم تمثيله وقدرته الفعلية. فمن ذا الذي يمكنه فرض إقرار قانون مدني إلزامي؟ 

إن كان الأمر شعارات بالنسبة للبعض، فهو ليس كذلك لكثيرين ممن يشكل إقرار قانون مدني للأحوال الشخصية حاجة ملحة لهم، لما له من تأثير في حيواتهم وأحوالهم الشخصية. 

صحيح أن الزواج المدني لا يمكن فصله عن الشأن العام، لكن أيضاً، لا يمكن تناسي الشأن الخاص عند نقاشه. 

عموم المطالبين بإقرار قانون مدني يشكون من التهميش والالغاء وعدم إقامة اي اعتبار لقناعاتهم الشخصية ومعتقداتهم، من قبل القوانين الطائفية التي تتجاهلهم وتفرض عليهم تشريعاتها في قضاياهم الاكثر حميمية، في اختيارهم لشركائهم في الحياة وفي النظام الذي يرعى أسرهم وعلاقاتها...

الأمر نفسه ينطبق على المصرين على التمسك بالقوانين الطائفية، فطائفية تلك القوانين لا تنفي تعلقها بالنواحي الاكثر حميمية من حيوات الناس. كيف يستطيع مَن عانى ما عاناه مِن القوانين الطائفية، وتحديداً من إلزامية هذه القوانين وعدم تمكنه من الفرار منها الا بدفع أثمان باهظة... كيف يستطيع أن يطالب بالعكس؟ أن يتجاهل قناعات الناس ويفرض عليهم تشريعات لأنه هو يؤمن بها؟ اليس التحول من ضحية الى جلاد، ابقاء على اللعبة وتكريساً لها مع تعديل بسيط في الأدوار؟

المطالب بجعل القانون المدني إلزامياً وليس اختيارياً، ما الذي يعطيه مثل هذا الحق؟ 

هل يكفي أن يعتقد ويقتنع بأن قوانينه أكثر عدلًا؟ هل قناعاته ومعتقداته تصلح لتعطيه مشروعية المطالبة بفرض قانونه المدني على من لا يزالون يعتبرون، اتفقنا معهم أم اختلفنا، أن الأحوال الشخصية هي من الشؤون الدينية؟ 

خطورة مثل هذه القناعة هي أنها تشرع في اتجاهين. فإذا كان مباحاً لمن يعتبرون أنفسهم ثوريين أن يفرضوا على غيرهم قناعاتهم، فمن باب أولى أن يباح الأمر نفسه لمن يملك قوة فرض قناعاته، أي أنصار الأحوال الشخصية الدينية. 

طرح الزواج المدني بالشكل الإلزامي ينهي النقاش قبل أن يبدأ.

كل الحجج التي يطرحها المطالبون بإلزامية الزواج المدني منطقية، ومسلّم بها، من الناحية النظرية. فوظيفة هذا القانون هي أبعد من محيط الأسرة الضيق، إذ يُعوّل عليه لأداء مهمة أصعب وهي إحداث ثغرات في جدار الفصل الطائفي بين اللبنانيين، والمساهمة في بدء زعزة نظام المحاصصة والفساد الذي يحكم خناقه على رقاب الناس.

لكن عملياً، لا يمكن فرض هذه القناعات على الناس فرضاً، وإنما يجب إقناعهم بها، وهذا الأمر لا يحدث إلا تدريجياً، ووجود قانون اختياري للأحوال الشخصية هو خطوة جبارة في هذا الاتجاه، في حال تحققت، خصوصاً إذا كان البديل عدم وجود قانون.. بسبب إصرار بعض "المتحمسين" على إلزاميته! من الحكمة أن نأخذ المُيَسَّر، إذا لاحت بوادر تيسيره، ونطالب لاحقاً بالمُعَسَّر.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ريما ابراهيم

ريما ابراهيم

كاتبة وناشطة حقوقية لبنانية

مقالات أخرى للكاتب