آخر تحديث:19:58(بيروت)
الأربعاء 13/02/2019
share

"انستغرام" والفضائيات: أدوات الإيرانيين للتغيير الاجتماعي

وليد بركسية | الأربعاء 13/02/2019
شارك المقال :
  • 0

"انستغرام" والفضائيات: أدوات الإيرانيين للتغيير الاجتماعي إيرانيون ينشرون صوراً عن عيد الحب في "أنستغرام" (نيويورك تايمز)
بعد أربعين عاماً من الثورة في إيران، تغير المشهد في البلاد كثيراً، حيث ساهمت التكنولوجيا، بما في ذلك الأطباق الفضائية وتطبيق "انستغرام"، في كسر عزلة الشعب الإيراني، وتخفيف القيود الاجتماعية والدينية. لكنها ساهمت بشكل أو بآخر في خلق فجوة بين جيلين، قد تكون هي الخطر الحقيقي الذي يهدد استقرار النظام الديني الحاكم، إلى جانب الصراع الطبقي التقليدي، الذي ساهمت التكنولوجيا في إلقاء الضوء عليه أيضاً.


واليوم، يمكن رصد ثلاث متغيرات في المجتمع الإيراني منذ الثورة الإسلامية قبل أربعين عاماً. تتعلق الأولى بفجوة بين جيلين من عناصر النظام أنفسهم الذين يشكلون القاعدة الشعبية للنظام، ضمن الحرس الثوري وقوات الباسيج وحركات دينية وعسكرية أخرى في البلاد، وفجوة طبقية بين الأغنياء والفقراء في البلاد، وفجوة ثالثة بين المجتمع الذي تغير ببطء طوال 40 عاماً وحوّل الناس العاديين من أشخاص ثوريين إلى أشخاص طبيعيين، مقابل السياسات الجامدة التي مازال النظام الثيوقراطي يتبناها بلا أي تغيير تقريباً.

ويشير خبراء في الشأن الإيراني وصحافيون مخضرمون، مثل مدير مكتب صحيفة "نيويورك تايمز" في طهران، توماس إردبرينك، إلى أن تطبيق "انستغرام" أحدث ثورة في الطريقة التي ينظر فيها الإيرانيون إلى أنفسهم، وكان هذا التطبيق المستخدم لمشاركة الصور قوة دافعة للتغير في بلد كان كل شيء فيها مخبأ/ وتم تكسير الجدران التي فصلت بين الخاص والعام في إيران، ويقوم الإيرانيون باستخدام الشارع الآن كما يحبون.

ويمتلئ "انستغرام" اليوم بمشاركات الإيرانيين عن عيد الحب، وهي مناسبة تبدو غير متناسبة مع الصورة النمطية عن الإيرانيين العاديين ربما، فقبل سنوات على سبيل المثال كانت رؤية شاب وفتاة يسيران في الشارع ويمسك أحدهما في يد الآخر أمراً مثيراً للانتباه، ولم يكن الناس ينظرون بعين الرضا لمظاهر الحب، خصوصاً بين غير المتزوجين، "لكن اليوم تراهم معاً في الحدائق العامة، وتراهم يتعانقون ويقبّلون بعضهم بعضاً".

ومع اقتراب يوم الفالنتاين فإن الشباب يتناقشون في الهدايا التي سيشترونها في هذه المناسبة لصديقاتهم، ويمكن رؤيتهم يحملون بالونات على شكل قلب، أو لعب دببة كبيرة ويركعون أمام صديقاتهم في المساحات العامة، ويوثقون كل ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتحديد "انستغرام".

وفي سنوات الثورة الأولى كان هنالك حماس ثوري وديني واضح في الشوارع، حيث توقع الإيرانيون مستقبلاً أفضل، لكن التغيير المفاجئ ترك جروحاً عميقة في البلاد، فكانت هناك عقوبات جَلد وإعدام وقطع أيد وسجن بالجملة، ومات آلاف الناس، وغادر مئات الآلاف البلاد، وبعضهم فر بحياته ولم يعد، حيث أتت الثورة بدولة دينية مبنية على خيارات أيديولوجية، فكانت هناك قيود صارمة على الإعلام، الذي فصل الإيرانيين عن المؤثرات الغربية، وفصل بين الجنسين في الأماكن العامة، وفرض الحجاب على النساء، ومنع الكحول والأدوات الموسيقية على التلفزيون، وفرض قوانين تمنع النساء من ركوب الدراجات الهوائية، إلى غير ذلك من القوانين التي طبقتها شرطة الآداب وقوات الباسيج شبه العسكرية بكل وحشية.

ومازال التلفزيون الحكومي حتى اليوم يرفض عرض الأدوات الموسيقية، لكن هناك عازفي موسيقى في شوارع طهران، من بينهم إناث، يمكن رصدهم عبر مواقع التواصل وفي تقارير الصحف العالمية عن الحياة في طهران. وفي بعض الأحيان تقاوم الدولة تلك التحولات، وتقوم ببعض الاعتقالات، في محاولة لمنع التغيير، لكن ذلك لا يستمر طويلاً، ويبدو الأمر أحياناً وكأنهم استسلموا، كما هو الحال بالنسبة للمحطات الفضائية، التي كانت ممنوعة لسنوات كثيرة، بينما اليوم تمتلئ البلاد بالأطباق في كل مكان، وبإمكان الايرانيين اليوم مشاهدة أكثر من 200 قناة باللغة الفارسية تبث من الخارج، تعرض كل شيء من متابعة أخبار عائلة كاردشيان، إلى أخبار غير مفلترة، إلى أفلام هوليود.

وهنا تبقى السياسة في إيران قصة أخرى، فقد قامت الثورة الخضراء العام 2009، عندما انتفض الناس احتجاجاً على انتخابات مزورة، لكن تم قمع تلك الاحتجاجات بعنف، وبقيت مجموعة الأشخاص النافذين الذين يتخذون القرارات ذاتها بشكل كبير على مدى السنوات، بل إنها تضيق. لكن بعد السماح لكثير من المحرمات الاجتماعية بأن تنزلق، فإن زعماء إيران يواجهون معضلة، فهل يبدأون بترجمة التغيرات الاجتماعية إلى قوانين وعادات، أم يتشبثون بمبادئ الثورة التي مر عليها 40 عاماً؟.

ويشكل هذا الجدل محور الفجوة الثانية، بين جيلين من صناع البروباغندا الإيرانية وأعضاء القاعدة الشعبية للنظام الإيراني، فبينما تدخل الثورة الخمينية عقدها الخامس تواجه مشكلة الحفاظ على الثورة "حية" والتي تعتمد على صناعة الصورة لها وليس فقط جذب القطاع الشاب من السكان.

وضمن العالم السري لوحدات الإنتاج الإعلامي للحرس الثوري والباسيج وأنصار حزب الله، توجد نقاشات حادة ومفاجئة حول مستقبل البلاد بين شباب الباسيج الذين لا تتجاوز أعمارهم 20 عاماً مقابل رجال في منتصف الخمسينيات، ساهموا في ثورة العام 1979، حيث يرى الطرف الأول البلاد بصورة أكثر أيديولوجية من الطرف الثاني الذي بات يميل للتغيير وتعديل النظام وتخفيف النظام وتخفيف القيود الاجتماعية والثقافية وفتح النظام السياسي لتنافس أكبر، وينعكس ذلك بشكل واضح على الأفلام والمنتجات الإعلامية التي تقدم البروباغندا المحلية للإيرانيين.

فعلى سبيل المثال، يرى الجنرال علي رضا، وهو جزء من فريق إنتاج إعلامي لقادة في الحرس الثوري أن شباب الباسيج "هم مشكلتنا الحقيقية" فهم "لا ينظرون للأمور إلا من خلال الأبيض والأسود ويقومون بدق أسفين كبير بيننا والمجتمع". بينما قال جواد، الكابتن في الحرس الثوري، أن "غرورهم يعتبر سماً لنا". وفي إشارة للحرب مع العراق التي استمرت ثمانية أعوام وقال للمجلة: "لن يصمدوا يوماً واحداً في الخنادق"، وكل ذلك جزء من دراسة أجرتها الباحثة نرجس باجوغلي ونشرتها مجلة "فورين أفيرز".

وتتنافس وحدات الدعاية الإيرانية ضمن الفجوة السابقة، وينتج ذلك مؤسسات إعلامية غير متجانسة وليست أيديولوجية بالكامل في نظرتها للعالم. فمجمل الإنتاج الذي أنتجته وحدات الإعلام في هذه المؤسسات لم يتركز كلياً على إيران ولا الأيديولوجيا التي قامت عليها أو انحصر في الدين والسياسة الإسلامية، بل كان متنوعاً وعادة ما ركز على الصراع الطبقي والخلافات الجيلية والحراك الاجتماعي. وهو ما يقود لمساءلة ليس الصور الموجودة لهؤلاء الرجال ولكن الإطار السائد الذي يستخدم في التحليل عندما يتعلق الأمر بفهم الجمهورية الإسلامية.

والحال أنه منذ العام 1979 عندما اجتاحت الثورة البلاد، يحاول صناع السياسة الأميركيين  فهم الاضطرابات التي حدثت في البلاد والنزعة المعادية للإمبريالية التي بدت بمطالب الإيرانيين الاستقلال عن واشنطن. ووصف الإعلام الأميركي المجتمع الإيراني بـ"المسكون بالجنون" والإيرانيين بالسكان الذي أعماهم التعصب الديني والبحث عن "الشهادة" وبأي ثمن. وربما أجابت تفسيرات كهذه على الحاجة الماسة لفهم وبعبارات بسيطة ما حدث في إيران وتقويض الثورة الإيرانية وزعيمها المتقدم في العمر. لكن من وجهة نظر السياسة الإيرانية وعبر العقود الأربعة الماضية من خلال عدسة الإعلام، فقد تجاوز الإيرانيون الحراك الاجتماعي المهم الذي قام عليه النظام.

وعليه فإن الجمهورية الإسلامية تعمل للحفاظ على الثورة "حية" وكيف تقوم بالتواصل عبر الإعلام بكافة أشكاله من أجل نشر مبادئها، ويقود ذلك إلى حقيقة أن التنافس ضمن إيران ليس بين النظام والشعب ولا بين الحرس القديم والجيل الشاب الغاضب ولكن داخل النظام نفسه الذي لا يعرف وجهة أو طبيعة المستقبل المثالي للبلاد. ويطالب الجيل المسن من صناع الدعاية، شباب الباسيج من صانعي الأفلام بالتركيز على محتوى قومي يؤكد على وحدة الشعب الإيراني والتقليل من الرسالة الدينية. ولكن زعماء الطلاب يرفضون ذلك بشكل حاسم ويميلون للمواجهة والصدام.

والحال أن الجيل المسن ينظر إلى الجيل الشاب من الباسيج على أنهم انتهازيون وضعاف لم يمروا بامتحان الحرب. كما أن المنظمات شبه العسكرية مثل الباسيج، كانت الجهة الأكثر تجنيداً والتي قامت بإرسال الكم الأكبر من المقاتلين لجبهات الحرب مع العراق. وعندما انتهت الحرب العام 1988 وجدت النخبة السياسية للبحث عن طرق للتعامل مع هذه المؤسسات. ووجد المرشد الروحي طريقة لنشرهم ومواجهة الغرب في أساليب "الحرب الناعمة" ومراقبة النشاطات المعادية للنظام عبر الإعلام بالتحديد.

ويجب القول أن قادة قوات الجمهورية الإسلامية من الجيل الأكبر سناً يواجهون رهاناً أكبر من مجرد الدفاع عن النظام السياسي. فهؤلاء الرجال وعائلاتهم لم يكونوا محل احترام في المجتمع الإيراني قبل العام 1979، ذلك أن شاه إيران همش العائلات الدينية فيما نظرت النخبة المثقفة في ذلك الوقت نظرة دونية. ومنحت ولادة الجمهورية الإسلامية طبقات ينتمي إليها رضا وغيره من العائلات المتدنية حساً بالهدف والاحترام في المجتمع الإيراني، وهم يخافون أن يتم دفعهم إلى الهامش مجدداً إذا تغيرت الظروف في مجتمعهم.

ولا يرسل الجيل القديم أبناءهم إلى الباسيج رغم أنهم انضموا إليه بأنفسهم في شبابهم في السنوات الأولى للثورة، وبدلاً من ذلك يرسلون أبناءهم للدراسة في أوروبا. حيث يعتبرون أن إرسال أبنائهم إلى الباسيج هو بمثابة خطوة للنزول في المستوى الاجتماعي. وفي المقابل فإن الجيل الجديد من الباسيج يشعرون أن الثورة انحرفت لأن الجيل القديم نسي قيمها، علماً أنهم ينحدرون في المجمل من عائلات متدينة هاجرت من الأرياف إلى العاصمة طهران.

يقود ذلك مباشرة نحو الفجوة الثالثة المتمثلة بالصراع الطبقي في إيران، بين الأغنياء والفقراء، والتي باتت أمراً شديد الحساسية، فأثناء تقديم الإيراني سيد حسين برنامجه الإذاعي في تموز/يوليو 2018، انقطع البث فجأة، ليس لخلل فني، إنما بأمر من جهات عليا، لأن المذيع انتقد بذخ وترف أحد أبناء السفراء الإيرانيين. رغم أن النقد أشار فقط إلى أن ملابس زوجة ابن السفير الإيراني في الدنمارك "لا نملك مثلها في إيران، فلا يوجد في إيران مثل هذه العلامات التجارية".

ويمكن رصد انتقادات الإيرانيين الغاضبين من الفجوة الطبقية، عبر مواقع التواصل، فبينما يعاني أولئك من ظروف اقتصادية صعبة، يتباهي أبناء المسؤولين الإيرانيين ورجال الأعمال علانية بحياة الترف التي ينعمون بها، في صور ومقاطع فيديو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ويعرف هؤلاء إعلامياً بـ"أغازاده"، وتعني بالعربية "أبناء الأغنياء"، الذين ولد معظمهم لمسؤولين في الحكومة الإيرانية ورجال أعمال ويتمتعون بحياة لا ينعم بها الكثير من الإيرانيين.

أحد "الأغازادات" والذي يدعى ساشا سبحاني، وهو ابن السفير الإيراني السابق في فنزويلا، دعا الرئيس حسن روحاني إلى فتح حساب بنكي مشترك لمساعدة ودعم الشعب الإيراني مالياً. ويبدو أن ساشا يحاول بهذه الخطوة التخفيف من الانتقادات التي وجهت له العام الماضي، بعدما وجه رسالة للشعب الإيراني قال فيها "اذهبوا موتوا"، وذلك عندما ظهر في مقطع مصور في آب/أغسطس الماضي، للرد على الانتقادات الموجهة لأسلوب حياته، والبذخ الذي يعيشه. وقال: "إلى متى ستستمرون في الحسد، بدلا من كتابة أشياء سيئة عني اذهبوا واجنوا المال، إذا كنتم غير قادرين على ذلك، وإذا كنتم لا تستطيعون العيش، فاذهبوا موتوا"، لكنه حذف المقطع لاحقاً.

ولساشا نحو 570 ألف متابع في "إنستغرام"، حيث ينشر صوراً ومقاطع فيديو له داخل سيارات فارهة أو في ملاه ليلية أو بصحبة زجاجات الكحول، بالإضافة إلى مقاطع مصورة له في فيلات فخمة أو في حفلات صاخبة في إسطنبول حيث يقيم، علماً أن حياة الترف في إيران ليست مقتصرة على الأغازادات في الخارج، ففي الداخل أيضاً هناك من يتمتع بحياة مرفهة للغاية مع احتفاظه بنمط حياة محافظ نوعاً ما.

وكانت تقارير أميركية سلطت الضوء على نمط حياة الجيل الجديد من حركة "حزب الله" الإيرانية، التي تعد إحدى أكثر الجماعات الإسلامية المتشددة تأييداً لروح الله لخميني وللثورة في أيامها الأولى. إذ اختلف نمط حياة أعضاء حركة "حزب الله" من الشباب حالياً مقارنة بالأجيال السابقة، على مستوى الرفاهية والملبس والاهتمام بالعلامات التجارية والسفر خارج البلاد ومحاولة التميز عن بقية الشباب. ودفع تغير نمط حياة هؤلاء الشباب إلى أن يصفهم بعض المتشددين بأنهم "نسخة جديدة من المسلمين"، والتي تشكلت في المقاهي والملاعب، لا في الحوزات الدينية والمساجد، ووصل الأمر إلى المرشد الأعلى للنظام، علي خامنئي، الذي انتقد تلك المظاهر أكثر من مرة.

ولا تكشف الحكومة الإيرانية عن نسب الفقر، لكن محمد باهماني، الحاكم السابق لمصرف إيران المركزي في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، يقدر عدد "الأغازادات" بأكثر من خمسة آلاف يعيشون حالياً خارج إيران. وبينما يعيش هؤلاء في ترف وبذخ، فإن نحو خمسة ملايين إيراني يتلقون مساعدات مالية نظراً لظروف الفقر التي يعيشونها، بينما أشارت تقارير العام الماضي إلى ارتفاع نسبة طلبات المتقدمين على الإعانة المالية بنحو 50%.

وثار الإيرانيون العام الماضي وخرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على سياسة نظام خامنئي الداعم لميليشيات تنشط في سوريا ولبنان والعراق، حيث تشير التقارير إلى إنفاق طهران أموالاً طائلة على تلك المجموعات المسلحة، خصوصاً تلك التي تتبع الحرس الثوري الإيراني. وفي العام الماضي أيضاً، قاد ناشطون إيرانيون حملة عبر السوشيال ميديا باسم "تخلصوا من صناديق الخميني الإغاثية"، التي يصل دخلها من التبرعات إلى نحو 27 مليار ريال إيراني سنوياً، لأنها تنفق أموال الشعب الإيراني على حروب طائفية في المنطقة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها