آخر تحديث:16:43(بيروت)
الثلاثاء 03/12/2019
share

هل تشهد نقابة المحررين ثورة تحتذي بالمحامين؟

زكي محفوض | الثلاثاء 03/12/2019
شارك المقال :
هل تشهد نقابة المحررين ثورة تحتذي بالمحامين؟ اعتصام "مهنيات ومهنيين" أمام العدلية (عباس سلمان)
منذ العام 1992، نجحت السلطة اللبنانية في قطع صلة الوصل بينها وبين اللبنانيين في ما يتعلّق بتحسين مستوى عيشهم، عبر تقويضها عمل النقابات. والأرجح أنها لم تكن خطة استباقية لأمر محسوب، إنما خطوة تخريبية هدفها، آنذاك، إبعاد السكان المنتِجين عن المطالبة بحقوقهم، عبر قنوات جامعة ووازنة، وفي شكل منظّم وفاعل.

وكان تفتيت النقابات في لبنان وابتلاعها بهدف تعطيل أدوارها، قد بدأ مع انتهاء الحرب الأهلية 1975-1990، وانخراط رجال الأعمال وأصحاب النفوذ مع أمراء الحرب في معترك السياسة. فصار إنشاء نقابة مشرّعاً، وتكاثرت النقابات وتضاربت في المصالح والأهداف.

فعلى سبيل المثال، نشأت نقابة ثانية للممثلين راحت تنافس النقابة الأصيلة على خدمة المنتسبين إلى كل منهما. وبنتيجة المنافسة، تدنّت البَدَلات، وفُتح باب التمثيل أمام أي كان، وفُقدت معايير التنظيم والحفاظ على سلامة التعامل وحفظ الحقوق. ومثلما حصل لها، تناتش بقية النقابات سياسيون وزعماء رموا بقيادتها لمحاسيبهم.

فغدا العمل النقابي في خدمة السياسيين لا المنتسبين. وشكّلت النقابات امتدادات للمحاصصات الطائفية والمصلحية تمثّلت في تحديد طائفة النقيب وضبط عدد المنتسبين بحسب الطائفة. وصار الفوز في الانتخابات النقابية يُعتبر ترسيخاً لنفوذ هذا الطرف أو ذاك، بعيداً كل البعد من مصالح الناس.

فالنقابة، فضلاً عن تنظيمها شؤون منتسبيها وعلاقتهم مع أرباب العمل وتقديمها الدعم في قضاياهم، حتى القانوني منها، وصوغ مطالبهم، تشكّل أيضاً الحوض الذي تتجمّع فيه وتنصهر مشاكلهم وأوضاعهم التي لا يقوى المنتسب الفرد على الإحاطة بها كلها. ولذا، فهي الطرف الأصلح للنظر في مسائل حيوية، مثل المطالبة بتعديل منافع الضمان الصحي والاجتماعي وتصويب المعايير وسلالم الرتب والرواتب... وغير ذلك. كما تصلح لقيادة التحرّكات الاحتجاجية لمنتسبيها وتوجيههم وتنظيم المطالب وتطويرها، انطلاقاً من معرفتها بمشاكلهم.

وقد لعبت النقابات في ثورتي تونس والسودان، دوراً حيوياً وحاسماً في التحضير للانتفاضات والمشاركة في قيادة التحركات والتفاوض والتموضع، وكانت حاضرة بقوة في التظاهرات والأعمال الميدانية، وذلك من منطلق العليم بمشاكل المهنيين فالمواطنين. والحق أن ثورة 17 تشرين المطلبية، ضد الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة والذي يؤثّر سلباً على معيشة اللبنانيين ويعيق تقدّمهم، تفتقد إلى أدوار كتلك تؤدّيه النقابات في لبنان. 

تلك الكيانات الحيوية غابت عن فاعليات ثورة 17 تشرين ونشاطاتها، غياباً لم يحل دون اعتلاء مهنيين وأصحاب اختصاصات المنصات، ومنهم معلّمون، محامون، أطباء، صيادلة، إعلاميون، معالجون فيزيائيون، مهندسون، وعمّال (كما بدا، مثلاً، في العرض المدني في عيد الاستقلال، في 22 تشرين الثاني / نوفمبر الماضي)... لكنهم حضروا كمجموعات شكّلها أفراد من كل اختصاص يرغبون في المشاركة بالثورة.

ومن أفعال النقابات في مواجهة الثورة أن طلبت من العاملين في شتى القطاعات، وخصوصاً القطاع التربوي، الالتحاق بأعمالهم بعدما انتفضوا، حفاظاً على انتظام الحياة العامة. وهو ما حرم الموظفين من حرية التعبير وإبداء الرأي في قضايا مصيرية وحساسة، وما أفقد الثورة زخم واندفاع الطلاب الذين بقوا يشكّلون جزءاً من مشهديتها، حتى تدخُّل نقابة المعلمين.

الغياب والتعطيل مضافاً إليهما الحاجة الملحّة لنقابات فاعلة لم تحتّمها الثورة فقط، دفع بمجموعات من مهن مختلفة إلى اللجوء إلى تشكيل، كيانات نقابية بديلة. وقد شهدت الفترة الماضية تحركات للتيار النقابي المستقل، وهو إطار سبق الثورة يضم الأساتذة المستقلين في التعليم الرسمي، و"تجمّع مهنيات ومهنيين" الذي تنضوي تحته قطاعات مختلفة... وكلها يهدف إلى تصويب مسار العمل النقابي وترقيته.

العمل الصحافي
مما أفرزته ثورة 17 تشرين ذلك النشاط الحيوي في تشاطر أفكار جديدة لابتكار منظومات ثقافية واجتماعية حديثة تسعى إلى قلب المنظومات الحالية (القديمة) وتغييرها. وفي ما يتعلّق بالعمل الصحافي، يجري التلاقي على إنشاء جسم نقابي بديل للصحافيين على أسس أكثر حداثة، يشمل مكوّنات الإنتاج الصحافي، التقليدي منها والحديث، ويعزّز ظروف العاملين فيه وأوضاعهم. 

فنقابة المحررين الحالية هي من النقابات التي حادت عن دورها في ملاحقة قضايا منتسبيها. ومن ممارساتها الخاطئة أن أفقدت الصحافي سنده، هو الذي من صلب عمله تسليط الضوء المطالب والحقوق. كما أخفقت في متابعة قضايا محقة مثل قضيتي مصروفي "المستقبل" و"الحياة" ومستحقاتهم... فالدعم بالبيانات لا يكفي. والآن، يشهد الوسط الإعلامي اللبناني أزمة جديدة، تتمثل في أنصاف الرواتب التي تُصرف للعاملين في مؤسسات إعلامية بحجّة الأزمة المالية التي تعصف بالبلد، ولا جسم نقابياً قوياً أو متماسكاً بالحد الأدنى، يُسائل إدارات تلك المؤسسات في قراراتها وما إذا كانت فعلاً مبررة وذات أجَل محدد، أم لا. فالإعلاميون والعاملون في القطاع متروكون، كل لشطارته، أو لمفاوضاتهم كمجموعات مع إداراتهم.

وهناك أيضاً الاستدعاءات والمحاكمات التي خضع لها صحافيون (أكثر من خمسين منذ بداية العام الحالي مع احتمال ارتفاع العدد). منهم من مثل أمام محاكم جنائية وعسكرية، في حين أن الصحافي يخضع لقانون المطبوعات. لم يكن دور النقابة فاعلاً بسبب الإنتماءات والاصطفافات والمسايرة والمراعاة.

وهي لم تلتفت إلى التغيرات التي لحقت بالمهنة مع دخول التكنولوجيا الرقمية إلى العمل الصحافي، وما يستدعي ذلك من إعادة النظر في منهاج العمل واعتبار ظروف العاملين، خصوصاً بعدما أصبح الإنتاج على مدار الساعة، فضلاً عن إدخال مكوّنات مستجدة في نطاق عمل هذه النقابة.

ووضعت معايير التعامل مع القطاعات المنتجة وتطويرها. ولعلّ من النقابيين من يفكّر في اللحاق بركب جديد؛ فهل تشكل الثورة منصّة ثقافية وفكرية جديدة تجتذب هؤلاء، وعلى رأسهم العاملون في الإعلام، وترجّح الكفّة في مصلحة التغيير، مثلما فعلت في حال نقابة المحامين؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها