آخر تحديث:14:44(بيروت)
الجمعة 27/12/2019
share

الثورة اللبنانية.. متى أصبحت حركة خيرية؟!

زكي محفوض | الجمعة 27/12/2019
شارك المقال :
الثورة اللبنانية.. متى أصبحت حركة خيرية؟! عشاء الميلاد في ساحة الشهداء (علي علوش)
أكثر ما يدل على أن ثورة 17 تشرين، حيّة تُرزق، هو انتفاضها بعد كل هَمْدة يحاول في أثنائها المراقب إقامة جردة حساب كملخّص لما جرى. هي ثورة تجعل المتفرّج في حالة ترقّب وتشويق مستمرة، والناشط في حالة بحث وحراك دائمة.

فهي سائرة بإيقاعات متفاوتة وأعداد متغيّرة وأطياف متلوّنة، لا تنتظر الطوائف والشوارع والأحزاب، بل تعمل على تظهير الشاردين عن تلك الكيانات البالية وتعزز مواقفهم في مواجهة عجرفة الأسياد: طرابلس، صيدا، صور، النبطية، كفر رمان، بعلبك، عكار... في كل منها يتنامى دور الشوارد عن السائد ويشتد عودهم. ويبقى على بيروت أن تتخلّص من بلبلتها وتنتقي مسارها وتفرش أرضها لاستقبال ثوار المناطق والأرياف.

ولوضع مجريات الثورة ضمن كادر يلتقط تسلسلها في لحظة ما، لا ضير في مقارنتها بحدث من قماشتها: بعد انتصار "ثورة 18 يناير"، انصرف التونسيون الى شؤونهم السياسية والمعيشية. ولم يخفوا إرباكاتهم. وفي تلك الفترة، ذكر زميل صحافي أن قوىً طالبت بتأجيل الانتخابات النيابية الأولى عقب الثورة، إذ وجدوا أنفسهم، بعد حقبة طويلة من القمع وتعطّل الحياة السياسية، في ما يشبه "البلبلة" التي تعذّر فيها على كل طرف مناقشة أفكاره داخلياً وتداولها مع أطراف أخرى. فكان التأجيل لشهور، كما أفاد به الزميل التونسي.

تبدو حال ثوار 17 تشرين وأفواجهم، قبل تحقيق أهدافهم، شبيهة بحال "البلبلة" التي أصابت التونسيين بعد انتصار ثورتهم، وهي حال تنسحب أيضاً على السلطة في لبنان وأحزابها وطوائفها وشوارعها، ومعها الإعلام الذي بات يتوسّل الانتقائية ويتفنّن في التأجيج، حيث حملت وسائل الاعلام والسوشال ميديا في الآونة الأخيرة، ومازالت، مشاهد كثيرة عن هذا التخبّط الذي يؤمل في أن يصبّ في مصلحة تحقيق أهداف ثورة 17 تشرين.

بعد اشتداد الأزمة الاقتصادية على اللبنانيين بدا الهم الأساس، أخيراً، لشطر من الثوار هو مجابهة المصارف، مع دعوات متضاربة الى وسائل المجابهة، مثل وقفات احتجاجية، محاصرة منازل أصحابها، حتى جاء البيان الذي تلته حملة "مش دافعين" أمام مصرف لبنان. وتضمن موقفاً يشمل المسارين المالي الاقتصادي والسياسي الحكومي. وأصرّ على موقف الثوار في المسارين، مستعيداً مطالب الثورة منذ يومها الأول.

ذلك أن التصويب على المسار الأول وحده، خطير، وقد ينطوي على إغفال للمسار الثاني وعملية تشكيل الحكومة، خصوصاً بعد تكليف "البروفيسور" حسان دياب، وما تلا ذلك من تعقيدات وتخبّط. غير أن التخبّط في التشكيل والتراشق بالفضائح بين أطراف السلطة، والمواقف المتضاربة من العملية، والخطط الاقتصادية والسياسات المالية، إضافة الى جهل حاكم مصرف لبنان بما يعرفه جيّداً، واستحضار الماضي ونبش صفقاته، كلها دلائل على أن "برج بابل" اللبناني آيل إلى السقوط، لكن بالطبع ليس بهذه السهولة.

فمازال لدى أهل السلطة في لبنان وحكّامه أوراق قوية، منها التخوين، والقمع الذي ازداد وحشية في الجولات الأخيرة، وتأجيج الشوارع بالطائفية، وملفات النفط والغاز والصراعات الدولية والإقليمية مع استخداماتها في محاولات تقويض الثورة. ورغم أنها أوراق قوية إلا أنها لن تثني الثورة عن المطالبة بمكافحة الفساد - أساس الأزمة الكبرى الحالية. الفساد الذي لا يرتبط انتشاره في لبنان منذ الاستقلال، واستشراؤه منذ 1990، بالصراعات الدولية والاقليمية.

وما حدث بعد التكليف مباشرة، محاولة لاستعادة بشاعة الطائفية، حيث حاول مناصرو الرئيس سعد الحريري احتلال مشهدية الثورة للمطالبة بعودته. وهي محاولة فشلت لأن الثورة لم تسعفها، مثلما فشلت محاولات طوائف أخرى وأحزابها الركوب على الثورة وطردها من الساحات.

تلت ذلك مشهدية "الإعاشة" المذلّة. والتي افتتحها "حزب الله"، من قبل، عندما طمأن أمينه العام حسن نصر الله بيئته الحاضنة، إلى أن أموال المقاومة بخير، فاصلاً تلك البيئة عن بقية الشرائح اللبنانية. ثم انكبّت الأحزاب والحركات والتيارات، فجأة وباسم مجاعة لم تَحلّ بعد، على توزيع صناديق مواد غذائية تحمل شعاراتها، متعمّدةً الإمعان في إذلال مناصريها من خلال التقاط الصور لهم يتلقون "نعمة" أسيادهم في منازلهم لإخضاعهم ومحاولة ثنيهم عن سلوك طريق الثورة.

وكان السبّاق الى هذه المشهدية، وليد بيك جنبلاط، الذي شجّع، مثل غيره من الزعماء، على زراعة المحاصيل، واستحدث مطبخاً يُطعم فيه الجائعين في الجبل حتى قبل أن يشعروا بالجوع.

وفي المقابل، انتشرت في كل المناطق اللبنانية متاجر وأفران ومطاعم. تدعو بكل تواضع الناس، كل الناس، الى أخذ ما يريدون من دون مقابل اذا لم يكن بمقدورهم الدفع، فضلاً عن نشوء فرق إغاثة أهلية لا تمت إلى منظمات المجتمع المدني بصِلة، توزّع بخفر المساعدات على المعوزين. وساهم الإعلام أيضاً في مشهدية الذل، من خلال التغطيات المباشرة تارة والمحضّرة طوراً. وأحياناً كثيرة، حاول التغطية على الحدث الدائر في  موقع ما باستقبال مواطنين يطلبون المساعدة، وإفراد مساحات لهؤلاء، تشبه برامج "التيليتون" لجمع الأموال، في عزّ الحدث ومهما كان ساخناً.

ثم، تدريجياً، أخذ الاعلام المرئي تحديداً، يغطي أحداث الثورة بانتقائية. فيختار الحدث الذي يناسب الأجواء السياسية المصاحبة له، ويغيّب غير المناسب في نظره. فيصرّ، مثلاً، على إحضار المناطقية بتوجيه سؤال "من أين أتيت؟" إلى كل من يصادفه، بقصد التأجيج.

ومن الأمثلة، عقب تكليف دياب جرى التركيز على الفورة السنّية السيئة، خصوصاً تلك التي عبّر عنها قادمون من الشمال، بينما غيّبت محطات عديدة، الجمع المقابل الذي كان يحاول إكمال السير بمطالب الثورة. وأهمل الإعلام ذلك الشاب، من الثوار الشماليين أنفسهم، بعد محاولة إرباكه بسؤاله عمّن يرى أهلاً ليكون رئيس حكومة، إذ قال: "عندما جاء ملحم خلف عرفنا أنه رجل نظيف وقبلناه فوراً. هكذا يجب أن يأتي رئيس الحكومة والوزراء".

ذلك الشاب قرأ أحد نجاحات الثورة في شخص ملحم خلف، متميّزاً عن الجماعة التي قدم معها. هي الثورة، هكذا تيسّر ولادة نماذج التغيير وتشجّع رافضي السائد وهيمنته على انشاء حلقات وجماعات تبدو صغيرة وقليلة العدد، لكن تأثيرها داخل بيئتها كبير، ولو أن ثماره لا تؤتى سريعاً. وهي تساعد الثوار على تخطي الفورات الطائفية.

وفي الانتظار، شكلت نرجسية حسان دياب، وكتاب إنجازاته وأصله السوري، مادة للسخرية غصّت بها السوشال ميديا، لكن ذلك كله لا يكفي لإسقاط الرجل. والذهاب إلى العصيان تلزمه توعية بجدواه لكي يتفق المقتدر مع غير المقتدر على ضرورة تحدّي السلطة. ومجابهة المصارف والسلطة تلزمها برامج اقتصادية وسياسية جديدة واضحة يتّخذها اللبنانيون نماذج للتغيير.

أما الرهان على الانهيار الكبير لكي ينتفض مَن تأخّروا، فينطوي على احتمال أن يرى هؤلاء في ثورة 17 تشرين سبباً لبؤسهم، خصوصاً مع احتياط أحزاب الطوائف ضد الكارثة المقبلة، بالإعاشة. لكن الثورة، بطبيعتها، ليست حركة خيرية بل هي، لكل من يدرك قوتها، مجرد ركب للتغيير، وعليه أن يلحق به بملء إرادته.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها