آخر تحديث:20:10(بيروت)
الإثنين 02/12/2019
share

الإعلام العالمي يتواطأ على ثورة لبنان

نذير رضا | الإثنين 02/12/2019
شارك المقال :
الإعلام العالمي يتواطأ على ثورة لبنان لبنان يحتاج الى تخفيف ذرائع الاستقطاب الاجتماعي، وهي مهمة لا تقوم بها وسائل الاعلام العالمية (مصطفى جمال الدين)
يحاذر اللبنانيون منذ 50 يوماً تسييس التحركات الاحتجاجية، ويتجنّبون طرح ملفات وطنية معقدة لم تستطع الحكومات المتعاقبة وطاولات الحوار الوطني حلها، بالنظر الى حساسيتها، وقدرتها على إحالة الإحتجاجات الى صراعات داخلية تستنفر جماهير الاحزاب، وتشحن الاحتقان الداخلي، وتعزز الاصطفاف المذهبي، وتوجه الثورة الى موقع خارج رغبتها. 
لكن ما تجنبه اللبنانيون، هبطت اليه كبريات الصحف العالمية الموثوقة. لم يتردد، خلال الاسابيع الثلاثة الماضية، في صفحاتها، سوى ملفين يقودان بوصلة الرأي العام العالمي إليهما: أزمة الدولار والإجراءات المصرفية، وموقع "حزب الله" من المعادلة الداخلية اللبنانية إثر الاحتجاجات، وهو اختزال ظالم يضيع جهود اللبنانيين في الساحات وفي الإدارات الحكومية، ويحرف النظر عن مكامن الفساد وشكوى اللبنانيين، ويفقدهم اي دعم خارجي لتحركات مطلبية يبني عليها البنانيون آمالهم لتحقيق تغيير، أو على الاقل، لخرق في منظومة الفساد القائمة. 

وترفع تلك التغطية منسوب الاعتقاد بأن الإعلام العالمي متواطئ على الثورة اللبنانية. ذلك أن تغطية مشابهة، مختزلة، وتأخذ جانباً واحداً من أزمات النظام السياسي والمالي اللبناني، تمنح القوى السياسية اللبنانية قدرة بالغة على إعادة تعبئة جمهورها ضد الثورة التي لا يرى فيها الإعلام الغربي إلا التداعيات على "حزب الله" وبيئته، الى جانب تأثيرها في الاستقرار النقدي اللبناني الذي يضع التزاماته المالية تجاه الدائنين الخارجيين موضع شكوك. 

وباتت التحركات اللبنانية في المنظور العالمي، ثورة ضد "حزب الله" فقط. هذا الجانب السياسي من التغطية، يعزز الشكوك الداخلية لدى فئة من اللبنانيين حول أهداف التحركات، ويدفع الحزبَ، أو أطرافاً سياسية أخرى متضررة من التحركات، الى مواجهة التحركات بوصفها "مؤامرة" عليهم، رغم الإقرار الخجول بأحقية التحركات، ومحاولات تطويعه وإبقائه ضمن إطار التعميم بالاتهامات. 

والأدلة على هذا التحوير السياسي لتحركات اللبنانيين، تتجدد يومياً في كبريات الصحف العالمية. فصحيفة "بلومبيرغ" تتحدث عن أن فرص لبنان في تجنب العجز عن سداد الديون، ضئيلة، بموازاة تفاقم أزمة الاحتياطي النقدي، وانخفاض قيمة الليرة. فيما تنقل صحيفة "فايننشال تايمز"، عن التقرير الذي أصدره "بنك أوف أميركا" تحذيره من أن احتياطي لبنان من العملات الأجنبية سينفد بحلول منتصف العام المقبل، إذا استمر الأمر على هذا المنوال. وذهبت الصحيفة في تقرير آخر الى تقدير تداعيات الأزمة المالية اللبنانية على الاقتصاد السوري، بعد انقطاع شريان حياته من المصارف والأسواق اللنبانية. 

والى جانب هذه المقاربات الاقتصادية، حُصرت المقاربات السياسية في تداعيات الاحتجاجات على "حزب الله" وايران. فمجلة "ناشيونال إنترست" تحدثت عن الانتكاسات التي منيت بها إيران في الداخل، فاندلعت فيها احتجاجات، وفي العراق ولبنان، حيث يواجه حلفاؤها احتجاجات مدنية. أما صحيفة "فايننشال تايمز" فتوقفت عند أثر الإضطرابات الحالية في لبنان على الحرب في سوريا، مشيرة إلى الطريق الطويل الذي يربط بيروت ودمشق، والذي يكون في الأيام العادية مزدحماً بالشاحنات المحملة بالمنتجات اللبنانية والمستوردة من الخارج والسيارات التي تحمل اللوحات السورية وتنقل رجال الأعمال.

وفي تقرير آخر، قالت مجلة "ناشيونال انترست" أن مليوني متظاهر، من أصل عدد السكان البالغ 4.5 ملايين نسمة، تدفقوا إلى شوارع المدن اللبنانية مرددين هتاف "الشعب اللبناني واحد"، في ضربة لإيران التي تؤجج نيران الطائفية على حساب سيادة لبنان.

بدورها، رأت صحيفة "ذا هيل" أنه يجب على الولايات المتحدة أن تمضي في سياسة "الأسوأ، هو الأفضل" وأن تستخدم الاحتجاجات في العراق ولبنان ضد النظام الإيراني من أجل إيجاد رافعة إضافية ضد نظام رجال الدين. كما قالت في تقرير آخر ان الاحتجاجات الجارية في لبنان والعراق، ضربة قوية لإيران ولطموحاتها في تقوية هلالها من النفوذ الممتد من طهران إلى بيروت. واعتبرت أن وكلاء إيران في لبنان والعراق يقيمون وسط النخبة السياسية في البلدين، وتجمعت قوتهم على مر السنوات ما وفّر لإيران هيمنة بلا منازع في البلدين.

تلك التقديرات السياسية، لا شكوك في صحة جزء كبير منها، لكنها مقاربات حاذرها المنتفضون اللبنانيون منعاً لخلق اصطفافات سياسية وحزبية وشعبية (من مناصري الأحزاب) ضدهم. فالتعميم الذي ذهب اليه اللبنانيون، يهدف الى الحد من منح السلطة ذرائع لمواجهة التغيير، ولمنع انقسام الشعب على خلفيات سياسية، وهو ما ظهر في المبادرات المدنية بين مناطق خطوط التماس القديمة، وفي المبادرات الوطنية، ذلك ان لبنان، يتقاسم مع بلدان العالم العربي، "تحديات أكبر من مجرد إسقاط الطغاة"، كما قالت "واشنطن بوست"، في وقت وصل ضعف الدول العربية إلى نقطة أصبحت فيها السلطوية هي المادة الوحيدة التي تبقيها متماسكة.

وتجلس الدول العربية اليوم فوق تراكمات متنوعة من الفقر المتنامي والفساد المستشري والمؤسسات الجوفاء وأجهزة الأمن الوحشية والاستقطاب الاجتماعي الشديد والصراعات المدنية والإقليمية. ولبنان يحتاج الى تخفيف ذرائع الاستقطاب الاجتماعي، وهي مهمة لا تقوم بها وسائل الاعلام العالمية. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نذير رضا

نذير رضا

رئيس قسم الميديا في "المدن"

مقالات أخرى للكاتب