آخر تحديث:15:11(بيروت)
الخميس 12/12/2019
share

الماء مصفّد في بِرَك سيّدك

باسل الأمين | الخميس 12/12/2019
شارك المقال :
الماء مصفّد في بِرَك سيّدك
من قلب نفق مغمور بالمياه، ترفع فتاة لافتة كُتب فيها: "مع انو غرقانين بس منحبك يا سيّد حسن".
وفي ستوكهولم، ذات يوم من العام 1973، دخل لصّان الى مصرف، وكسبا تعاطف الرهائن ضد الشرطة التي كانت تسعى إلى إنقاذهم. 

هناك من ضلّ طريقه بين ستوكهولم وبيروت.. بفارق ضئيل بين الحادثتين:
في خريف العام نفسه، وعلى مقربة من شارع رياض الصلح، اقتحم يساريٌّ لبنانيّ، مع ثلاثة من رفاقه، مصرف "بنك اوف أميركا"، احتجاجاً على تمويل المصارف الأميركيّة لإسرائيل في حرب أكتوبر. في ذلك الخريف، لم يخرج علي شعيب من المصرف حيّاً. مسحوا دمه عن البلاط البارد، رحلوا ولم يتعاطف معه أحد. اليوم، لم يبقَ من علي سوى قصيدة وأغنية عن مصرعه. وما حصل أنّ "حفاة المدن"، كما وصفهم عبّاس بيضون في قصيدته، باتوا غطّاسي المدن.. والآن كما سابقاً "الهواء محكوم والماء مصفّد في بِرك سيّدك".

يقول المثل المصري الشهير "دخول الحمّام مش زيّ خروجه". مَن أطلق ذلك المثل كان يعرف تماماً أنّ ثمّة احتمالاً لفيضانٍ في الداخل قد يبتلع الجميع. انّه فيضان الذلّ. لا يمكنك أن تدخل حمّامًا عامًّا، من تلك الحمامات التركية، بالمجّان، متوقّعاً أن تجد ملابسك موجودة حيث تركتها. عليك أن تدفع بعض المال كي تستردّها وتخرج. 

لكن، ماذا لو لم تمتلك في جيبك ليرة واحدة؟..أو دولاراً واحداً، لا فرق. حينها سيتركونك عارياً في حمّام كبير، تنتظر ببؤس أن يُقرضك أحدهم المال كي تخرج، أو يمكنك أن تخرج وتسير عارياً الى بيتك. 

أتذكر الشاب لودفيك، من رواية لميلان كونديرا، حين أرسل لصديقته على سبيل الدعابة رسالة كتب فيها: "التفاؤل أفيون الشعوب، الروح المعافاة تفوح بنتن الغباء..عاش تروتسكي". يومها طُرد. طردوا لودفيك من الحزب بسبب مزحة. هؤلاء الأيديولوجيّون سيظلّون عراةً وحيدين في حمّاماتهم. سيسبحون في الفياضانات متفائلين، ومؤمنين بأنّ الذي حجزهم في الداخل يحقّ له تقرير مصائرهم.

أتذكّر أيضاً دعابة. عن شيخ مؤمن سمع بأنّ فيضاناً كبيراً آتٍ سيطاول الجميع، فنصحوه بأن يهرب معهم على الفور، لكنه ظلّ متمسكاً بالبيت لإيمانه الشديد بأنّ الله سينقذه. ظلّ هذا الشيخ مصرّاً على بقائه رغم كل المساعدات التي عرضوها عليه.. من سيّارات وسفن وطائرات، إلى أن جاء الطوفان وأغرقه. وعندما صعد ليواجه الله سأله: لماذا لم تُنقذني وأنا وحدي كنت مؤمناً ومتمسّكاً بك؟ فجاءته الإجابة: أحضرتُ لك أناساً ليساعدوك، وجئتك بسفن وطائرات، لكن ماذا أفعل إن كنتَ غبياً؟

وعلى ذكر الدعابات، فما من دعابة تحمل في طيّاتها سخرية وبؤساً مجتمعين أكثر منّ "هيهات منّا الذلّة". لو كان علي شعيب على قيد الحياة، ورأى ما حلّ بفقراء الجنوب، كيف يغطّسون رؤوسهم في المياه بحثاً عن الله،  لقتل نفسه بنفسه هذه المرة، من دون أن يتغيّر شيء في قصيدة عبّاس بيضون: "من ينسى عيون الأطفال الفارغة في أرض موطني؟ من ينسى كيف يغوص الفلّاحون في تربة خوفهم كالخُلد؟".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

باسل الأمين

باسل الأمين

مسرحي وناشط حقوقي لبناني

مقالات أخرى للكاتب