آخر تحديث:15:22(بيروت)
الأحد 01/12/2019
share

وزير الاقتصاد السوري مايك فغالي!

عدنان نعوف | الأحد 01/12/2019
شارك المقال :
وزير الاقتصاد السوري مايك فغالي!


لن يكون مُستغرَباً أن يَظهَر المتنبّىء اللبناني مايك فغالي مجدداً على شاشات النظام السوري ليُقدّم توقعاته للعام 2020، رغم نقمة المُوالين على "أبو جدولة" (كما باتوا ينعتونه كنَوعٍ من الاستهزاء). بل إنّ بعضَهم سيُناقضون أنفسهم ويُقلّبون المحطات التلفزيونية بحثاً عنه في سهرة رأس السنة.
وتَعرّض فغالي لموجة تَهكُّم مِن جمهوره السوري، بعد أن بَلَغ سعر الدولار مستويات غير مسبوقة تجاوزت الـ 800 ليرة سوريّة، وهو ما يناقض "قراءته الاقتصادية" للعام 2019. 



والحال أنّ أحداً لم يكُن ليَعود إلى كلام هذا المتنبّىء صاحب الأدوار المكشوفة، لولا أنّ لُقمة العيش باتت أمام تهديد جديد لا تنفع معه جوائز ترضية كزيادة رواتب الموظفين الحكوميّين (دون سواهم)، وتَركُ الناس يطفئون حريق الأسعار بثيابهم!. لذا فقد سادَ شعور بعَبثية التفاؤل ومُطاردة السَّراب، وكان لا بدّ مِنَ الانتقام -اللفظي على الأقل- مِن "سَيّد الأمنيات" مايك. 
وكعَادة الكثير من متابعي المُنجّمين، حاولَ المُعلّقون التبرّوء من الأمل الكاذب الذي خَالَجَهم يوماً، فلجؤوا للسخرية والشتيمة أحياناً. 
ويكشف ذلك اهتماماً أكبر من مجرّد مواكبة لِمُوضة التنجيم باعتبارها حالة ترفيهية، ففي العلاقة بـ فغالي بدا وكأنّ "شعباً" يُحاسب مَسؤولاً على عدم الوفاء بوعودٍ لتحسين الواقع المعيشي"!. ومن جهة ثانية كانت المفارقة أنّ أيّاً من المسؤولين الفعليّين في حكومة النظام حاليّاً لم يَرِد ذكرهم وانتقادهم بالاسم مثلما حَدَث لهذا المُنجّم عقِبَ ارتفاع سعر الدولار!.
ولعلَّ الأمر يَرجع بالدرجة الأولى لـ "عادات سوريّة"، فالمُوَاطن في الظروف العاديّة لا يُتعِب نفسه بمعرفة أسماء وزرائه ونوّابه (إلا ما نَدَر) لِقَناعته الدائمة بهَامشيّة كل ما يَقع ضِمن سلّم الحكم في موقع أدنى من آل الأسد. وعليه فإنّ موقف السوريّين من حكوماتهم المتعاقبة ظَلّ مبنيّاً على ما يشبه اتفاقاً غير معلن مفادهُ: "صرّحوا بما تريدون، ونحنُ نتجاهل أو ندّعي التصديق".

ولم يَتبدّل الوضع رغم اختراقات مَرحلية تمثلت ببروز شخصيات كرئيس مجلس الوزراء؛ وزير الكهرباء سابقاً عماد خميس، الذي جاءَ كواجهة تتلقى الغضب الشعبي بطريقة لا تُغيّر المعادلة الأساسية القائمة على أن يبقى بشار الأسد هو "مَعقِد الرّجاء" لا المحاسبة.   

وهنا يُمكن أن نفهم دَور شخص كمايك فغالي باعتباره "مانع صواعق" استخدمهُ النظام لامتصاص الأجواء التشاؤمية السائدة في البلاد بفعل استمرار التدهور على مختلَف المستويات، ومن ثمّ السعي لتحويل الأسى إلى أمل. 

ولِأجلِ هذا الغرض، حَظيَ فغالي بما هو أكثر من الظهور المتكرّر على وسائل الإعلام. ففي العام 2018 دَعَتهُ وزارة الثقافة التابعة لنظام الأسد بصفته "دكتور في علم الطاقة" كي يُلقي محاضرة في دمشق بعنوان "الصمود السوري نموذجاً"، قبلَ أن تتدارك هذه الفضيحة لاحقاً بالتنصل من مسؤولية الدعوة، وإلصاقها بمديرة المركز الثقافي حينها، على وقع موجة استنكار قادها أكاديميون وصحافيون في مواقع التواصل الاجتماعي.
لكنّ حضور فغالي في المشهد السوري لا يُعَدُّ استثناءاً، وإنما يندرج في سياق عام يَمحو فوارق التخصّص الشكلي لصالح "المَهمّة الواحدة". فالمُنجّم هو محلل سياسي والعكس صحيح!. 

ومِنْ محللين لبنانيين معتمدين لدى النظام السوري، إلى مايك فغالي، تفترق المُقدّمات وتختلف بين مصادر مطلعة وصحافة أجنبية وفلك وأبراج، وتلتقي عند ضخّ المُبالغات غير المنطقية، بهدف رَدمِ الفجوة النفسية العميقة لدى جمهور الموالين، وجَعلْ "الغَد" جديراً بالانتظار بالنسبة لهم.

وكنتيجة لهذه "الخلطة" تَخرُج التوقعات و"المعطيات و"الخلاصات" والتصريحات مُمَجّدةً للنظام، ومضخّمة لقدراته المُنهارة، لتَقَول ما تُريد نفوس المؤيّدين المتعبة سَماعَه من "قُرب انتهاء الأزمة" بالأدلّة والبَرَكات السماوية!.

" إذاً مَن سَيكون النجم القادم؟" هذا هو السؤال الأكثر واقعيّة، سواءٌ وَاصَلَ فغالي إطلالاته أم حُرِقت ورقته نهائياً ليحِلّ مَحلّه مشعوذٌ آخر من مشعوذي الفلك والسياسة والاقتصاد. ومَن يَدري؟! ربما يَتمُّ مثلاً استيراد أبو علي الشيباني؛ الساحر العراقي طبيب الأعشاب والروحانيات وكاشف المؤامرات
هذا هو الواقع الذي لا نراه ربما إلا في أعمال أدبية من نمط الكوميديا السوداء!. وبالمقابل يبدو استحضار واستذكار الخبرات السوريّة القادرة على النهوض بأحوال بلدها -في المدى القريب أو البعيد- ضرباً من الطوباويات والتخاريف المثيرة للضحك والبكاء المرير سَويّاً!. 

وإنْ أُتيحَ للسوريين في أوقات السلم أن يَحلُمُوا بمَنْ يُزيل همومهم بالعَمل لا بالتخدير والدجل، فإن سقف طموحهم لن يتجاوز نماذج تنفيذيّة منزوعة الأنياب أو شريكة في الفساد من طراز رئيسَي الوزراء السابقَين محمد مصطفى ميرو وناجي عطري، أو أدوات ترويجيّة من حُرّاس الخراب ومديري عمليات الإفقار المبرمج تحت بند "مسيرة التطوير والتحديث" و"اقتصاد السوق الاجتماعي" كخبير الأرقام الأشهر عبد الله الدردري. 

أما في زمن الحروب، فالخيارات كارثية، لأن "المطلوب" هو بوقٌ ذكيٌّ يقَتُل أدنى احتمال للاحتجاج والثورة، عبْر شراء الوقت باسم "الصمود"، وتقسيم المستقبل إلى مراحل "تستحق الصبر" بتعليقِ الشموع على مفارق طريقه الطويل المُظلم.

وبالنسبة لفغالي وأمثاله، فمَعَ كلِّ نجاحٍ يُحققونه سَتفتحُ لهم محطات التلفزيون والإذاعة وقاعات المحاضرات، ولِمَ لا المَكاتب لِتَوَلّي المسؤوليات في حال لم يُبدِ الشعب السوريّ اعتراضاً يتعدى الهَمس.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها