آخر تحديث:16:02(بيروت)
السبت 09/11/2019
share

أبو بكر الغيفاري

عدنان نعوف | السبت 09/11/2019
شارك المقال :
أبو بكر الغيفاري (غيتي)
على غِرَار جائزة "اللّعِب النظيف" في عالم كرة القدم، ينبغي مَنحُ جائزة مماثلة لِمَنْ تابعَ أخبار وملابسات مَقتَل أبي بكر البغدادي ولم يُعلّقْ بالقول إنه "صَنيع المخابرات الغربيّة"!.. ولِتكرارِ هذه الفكرة المؤامراتيّة، تلميحاً أو تصريحاً، أسبابٌ عديدة، منها ما هو منطقي وغير منطقي، لكنْ يبقى الأهمّ بينها هو أننا نشعُر في هذا الشرق وكأننا نُولَد "مُناهضين للغرب"، من دون أن يكون هدفنا بالضرورة أن نتفوّق عليه، وإنما تحويله إلى سبب أزليّ وأبديّ لعيوبنا وكوارثنا.

سَتَجِدُ بين ردود الأفعال الشعبيّة على مقتل البغدادي، واعتقال بعض أفراد عائلته، ما هو قديم وجديد عبْر الحديث عن "الأدوار الوظيفية المؤقّتة للزعماء الجهاديين"، و"النشأة المشبوهة لتنظيم الدولة الإسلامية، وإساءته لصورة الدين الصحيح". وربما يتجاوز أحدهم كُلّ التوقعات (كما حصل فعلاً)، فيطالب بوقف "المهازل" التي تحدُث نتيجة "القتال العابر للحدود" حتى لو كان المقاتل هو تشي غيفارا صاحب الصورة الأيقونيّة، والذي سافرَ إلى أكثر من بلد كي "يُشعل الثورات".

في الشكل العام نحن أمام طرح مُهمّ جدير بالنقاش، وفي التفصيل يَستحقُّ تشبيهٌ كهذا جائزة "اللّعب غير النظيف" كونه يُبالغ في التغطية على العِلّة الأساسية، والهَرَب بعيداً منَ الأسئلة الحَرِجة.

ستبحثُ طويلاً، وقد لا تجد في النهاية مَن يَسأَل:"مِن أين تأتي التنظيمات الجهادية بمقاتليها؟". هل تمَّ التغرير بهم، بغضّ النظر عن ولَعِهم بالشهادة أو الغنائم؟ هل تناولوا حبوب هلوسة فباتوا مقاتلين بعدما كانوا مواطنين عادييّن؟

السؤال البديهي عن إمكانية الحَشد، والمكانة الوجدانية لحَمَلَة الرايات الدينية (على تنويعاتهم من قاعدة وداعش وصبيان الخميني)، لن يكون مُحَبّذاً تداوله في أحاديثنا، لأنه يحتاج إلى مصارحة، وربما لجلسات تنويم مغناطيسي تكشف ما يقع تحت الوعي والبَوح المُقيّد.

وفي حال رَميِكَ حجراً كهذا في بركة صَمتِنا، يمكن أن تُقابَلَ بابتزاز رخيص من قبيل: "هل تريد تجريم مجتمعات بأكملها ووصمَها بالإرهاب؟". أو سَتُشهَر أمامَكَ المَقولات الجاهزة التي تربط السلوك الجهادي مباشرةً بالفقر والعنف (وهي بالمناسبة صِيَغ تصلح للفيزياء، كونها ترى الإنسان كسَائلٍ تقتصر حياته على التجمد والغليان بتأثير الحرارة).

في كُلِّ ما تَقدّم، وإن كان بهدف التهويل أو التبرير أو التبسيط، هناك وجهة نَظَر. غير أنّ الموضوع الرئيسي في مكانٍ آخر. إنه في فكرة "الأُخوّة الإسلاميّة" التي تُسهِّل الجهاد العابر للحدود إلى بلاد لم يَكُن يعرفها المُجَاهد، ولا تربطه بأهلها صِلةٌ سوى أنهم "إخوَةٌ في المنهج" والمظلوميّة والألَم.

يَنطبِقُ ذلك على حركات وتنظيمات ومبادرات فردية "ثأراً لمظالم السنّة" أو "دفاعاً عن الشيعة" أو انتقاماً لضحايا المسلمين بالعموم.

وبينما تحظى هذه النزعات بحُضورٍ مُعلَن أو مكبوت، فقد بدا مؤخراً وكأنّها تتراجع على وقع الثورات في لبنان والعراق ودولٍ أخرى.

لكن إلى أي حدٍّ يمكن التفاؤل بالوعي الجماهيري؟ فلو افترضنا أننا تعلّمنا الدرس أو في طريقنا، فعلينا ألا ننسى أنّ الرّهان يتعدى منطقتنا إلى "أمّة الـ1.9 مليار مسلم"، وإلى كلّ من يَحمِلُ فيروس الجهاد التضامني أو المغامراتي في هذا العالم، أكانَ مُسلِماً أم لا.

في المُحصّلة، حسابات الأعداد ليست الأهمّ، لأنّ أساس العمل الجهاديّ هو "شُحنة" تنتقل بين رؤوس أشخاص مَوصولين في ما بينهم بسِلك "الأخوّة". وفي طريق التحفيز، يأتي تأثير التهميش الاجتماعي أو التعذيب أو حتى الُحلُم باستعادة مَجدٍ غابر لقوّةٍ زائلة؛ أمَويّة أو عباسيّة أو فاطمية، والانضواء تحت راية "مقدّسة" تمثلها وإنْ كانت تنضح بالسّواد والأحقاد.

نظرةٌ، فابتسامةٌ أو دمعة، فموعدٌ، فانتساب، فسَفَرٌ يبتغي مقارعة ديكتاتور مُجرم أو الدفاع عنه. بهذا الشكل تنمو الظواهر الجهادية وتنتشر، سواءٌ تدخّلت فيها الجهود المخابراتية الدولية أو الإقليمية تأسيساً أو دعماً أم لم تتدخّل.

في مُختلَف الظروف، لن يَرتحلَ المُقاتل إنْ لم يشعر بالانتماء لِهَويّة معيّنة تُجسِّدُها مأساةٌ، أو مشروعٌ، أو زعيمٌ تعلّقت به الآمال بإعلاء ذاتٍ طائفية مهزومة. ذلك أنّ تلك الظواهر هي خلاصة الفرز الهويّاتي، وبَعضُ منتجاته التي تتراوح بين "الراديكالي" و"المعتدل"، وتُضَيِّقُ الخيارات عند صُنع الأجسام السياسية والعسكرية وإسقاطها، فإمّا حُكمٌ ديني أو طائفي (مُركّز أو مُخفّف بالمجتمع المدني والمحاصَصات)، أو حالة سلطوية دينيّة مُعارضة تُعادي العسكَر حِيناً وتتحالف معهم أحياناً أخرى.

مِنْ حَقّ الإسلامويين القول بأنهم مُستهدفون، لولا أنّ الحديث هنا يَنسحب على غيرهم ليشمَلَ كُلّ الإيديولوجيين المُنتَمِين لمختلف الأديان والأحزاب والمقاومات والمُمانَعَات. وبالنسبة لِمَنْ يَودّ النبش في التاريخ لفَهمِه، فعُيُوب شخصٍ كالثائر الكوبي الأرجنتيني المَولد "غيفارا"، واضِحةٌ في عَمَله العسكري والسياسي.

أمّا أن نُطلِق تشبيهات انفعالية خاطفة كالقول بأنّ "البغدادي غيفاريٌّ لأنه يستبيحُ سيادات الدول"، أو لأنّ الإعلام كرّسَ الشخصيّتين كحالات رمزية، فتلك شطحات تحتاج إلى "طولة بال" مع زفرةٍ وتنهيدة. فقَبْلَ أيّ شيء يجب أن يكون للبغدادي تاريخٌ ما لتفنيده، لا أن يعيش كصورة ويَرحَل كصورة دُوِّنت عليها ملاحظة تقول أنّ "صاحبها فاشل في التنكّر؛ كراعي أغنام، وكامتدادٍ للسّلَف الصالح".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها