آخر تحديث:20:21(بيروت)
الثلاثاء 05/11/2019
share

إسرائيل تستسلم أمام الاحتجاجات اللبنانية: العراق أولوية

أدهم مناصرة | الثلاثاء 05/11/2019
شارك المقال :
إسرائيل تستسلم أمام الاحتجاجات اللبنانية: العراق أولوية اسرائيل: الحراك اللبناني إما سيندثر أو تصل الأمور لحالة للصدام والحرب الأهلية (مصطفى جمال الدين)
"كاتس يعرب عن تضامن إسرائيل مع الشعب العراقي".. تغريدة أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس في "تويتر"، الإثنين، فباتت عنواناً رئيسياً في الإعلام العبري وخاصة إذاعة "مكان" الرسمية.
عبّرت التغريدة عن موقف إسرائيل الداعم للمحتجين العراقيين "ضد الفساد السلطوي والتدخلات الإيرانية في شؤون بلادهم"، على حد زعم كاتس، فاختزلت هي ومعها عناوين الصحف اللافتة، مدى التركيز الإسرائيلي الرسمي والإعلامي في هذه الأثناء على ما يجري في العراق، في مقابل تراجع المتابعة الإعلامية الإسرائيلية- إلى حد كبير- لإحتجاجات لبنان ذات البعد الإجتماعي والإقتصادي والمستمرة منذ ثلاثة أسابيع.

مؤكدٌ، هذا التراجع الإسرائيلي في تغطية احتجاجات لبنان، ليس نابعاً بالضرورة من القاعدة الصحافية التي تحكم آلية اختيار الأولويات الخبرية تقليدياً، والقائلة إن "الخبر السيء هو الخبر الجيد للنشر"؛ بإعتبار أن التظاهرات العراقية اتّسمت بقمع دموي من السلطات.. بل يعود ذلك إلى أسباب موضوعية بعيدة كثيراً من "السطحية" التي يحاول مناهضو التظاهرات الإستناد إليها من أجل تشويه وشيطنة التظاهرات المدنية والسلمية "المطلبية" كما جرت العادة تحت عنوان "نظرية المؤامرة".

إنه نوع من السذاجة - إلى حد ما- لو أردنا أن نختزل الموقف الإسرائيلي الحقيقي والكلي بخصوص حراك لبنان مع ارتباطاته السياسية، بمجرد مقال تحليلي في هذه الصحيفة العبرية أو تلك، أو الإكتفاء بقراءة لمحلل في قناة إسرائيلية.. ثم نرى بعض القوى الغاضبة من الحراك تتلقف تحليلاً إسرائيلياً هامشياً في إحدى القنوات، حتى يتم توظيفه كمبرر لوسم الإحتجاجات بـ"التآمرية ".

إذاً، ما هو السبب للحماسة الإسرائيلية إزاء ما يجري في العراق، في مقابل الحذر من حراك لبنان؟

لا شك أن البُعد الجغرافي والجيو-سياسي والديموغرافي، مروراً بالمشاركة الشيعية اللافتة في التظاهرات الإحتجاجية ورفعها لشعار واضح ضد المنظومة الفاسدة التي تحكم العراق، ثم ربطه بالتدخلات الإيرانية في هذا البلد، كان أمراً مثيراً للدوائر الإستراتيجية في الدولة العبرية لتنتقل عدوى الإهتمام إلى إعلامها.

وهذا في وجهة النظر الإسرائيلية مهم جداً كي تلعب على وتره، خاصة أن تل ابيب وواشنطن تريان في العراق المنفذ الأقوى والأهم لإيران من أجل تجاوز العقوبات الأميركية والدولية المفروضة عليها... فالإسرائيلي يراهن على أن تشكل تظاهرات العراق رافعة للأصوات الرافضة للتأثير الإيراني على القرار السياسي والحكومة العراقية الحالية والذهاب نحو انتخابات تضمن تراجع تأثير إيران على الأقل.

ووفق قراءات إسرائيلية رصدتها "المدن"، فإن هناك تلميحاً إسرائيلياً للتعويل على بعض القيادات الأمنية والسياسية في العراق المحسوبة على الخط الأميركي، وتحمل موقفاً "ناعماً" ضد إسرائيل وقوياً ضد إيران، وذلك كي يكون لها دور بارز في مفاصل الحكم العراقي بأي لحظة مناسبة.

أما في الحالة اللبنانية، فالدولة العبرية تدرك جيداً أن العداء لها تمت مأسسته في الدولة اللبنانية منذ نشوء إسرائيل، ولا يمكن لأي طرف لبناني سواء كان مدنياً مستقلاً او حزبياً أو رسمياً أن يتعامل بطريقة مغايرة مع إسرائيل التي تحتل أراضي لبنانية وقد شنت حروباً دموية عليها.

ولذلك كانت إسرائيل حذرة منذ اليوم الأول في طريقة قراءتها لما يجري في لبنان، من باب أنّ الفراغ السياسي في هذا البلد يجلب خطر المواجهة في الجبهة الشمالية، ويقوّي "حزب الله" عسكرياً.. وكأن تل ابيب توافقت ضمناً مع "حزب الله" في التلويح بالمحظور القائل "إما بقاء العهد أو الفراغ (الفوضى)".

مع محاولات إسرائيل أن تتصرف وكأنها جزء كبير مما يحدث بالمنطقة إدراكاً منها أنه يؤثر فيها، فإنها ترى أن ما يجري من تظاهرات لبنانية لا يمكن توظيف نتائجها لصالحها، خصوصاً وأن المحتجين لم يرفعوا شعاراً سياسياً ضد إيران، بل العيش الكريم وإزالة كل المنظومة الحاكمة التي ترعى الفساد الذي يفقدهم مبدأ العدالة الإجتماعية.

بيدَ أن إسرائيل، تسعى مع ذلك أن تستفيد من الظرف اللبناني الإستثنائي، من خلال البعث برسائل إلى اللاعبين الدوليين في الساحة اللبنانية، لإدراج "الصواريخ الدقيقة" التي يمتلكها "حزب الله" في سياق أي تسوية للأزمة.. 

وحتى نفهم إسرائيل جيداً، فإنها تخشى بروز جهات "عدائية غير منظمة وعشوائية" أكثر بكثير مما يعنيه "حزب الله" وقوته العسكرية المنظمة. بالنهاية يبدو "حزب الله عدواً مفهوماً بالنسبة لإسرائيل وقد اعتادت عليه بشرط ألا تزيد قوته". 

وخلافاً للبنان، فإن إسرائيل تتفق مع بعض الدول العربية المناوئة لإيران، في التعويل أكثر على حصد نتائج معينة في العراق من خلال تحجيم التأثير الإيراني وليس إنهاءه، لأن كل هذه الأطراف تعي جيداً استحالة تحقيق ذلك دفعة واحدة، عدا عن أن تل أبيب بحاجة لإستمرار التأثير الإيراني "المضبوط" ليكون عامل ابتزاز تمارسه إسرائيل ضد القوى الأخرى كي تعزز علاقتها معها.

والحال، انه على عكس المتابعة الإعلامية الإسرائيلية لحراك لبنان الذي شهد تراجعاً في الأيام الأخيرة، فإن مراكز الأبحاث الإستراتيجية والأكاديمية كثفت متابعاتها لما يجري في لبنان عن كثب.

ولأن القراءة الاكاديمية تأثر بها المستوى السياسي والأمني في إسرائيل، فقد أدى ذلك إلى تراجع الإهتمام الإعلامي أيضاً بمجريات الأمور في الدولة اللبنانية، مع بقاء عين إسرائيل مفتوحة ومُراقِبة بصمت.. فإسرائيل لا تريد الدخول في "المعركة اللبنانية" التي تضرها أكثر مما تنفعها.

وفي المضمار، رصدت "المدن" أكثر من ورقة بحثية صدرت عن مركز أبحاث الأمن القومي الذي يرأسه رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً عاموس يدلين، ويعتبره مراقبون أنه من اهم مراكز الأبحاث عالمياً. وركزت جلّ الأوراق على الأسباب والدوافع لحراك لبنان ومآلاته.

كما وتابعت "منتديات طاقم التفكير الإقليمي" في إسرائيل، ما يجري في لبنان عبر أوراق بحثية عديدة، بموازاة أوراقٍ مماثلة صدرت عن جامعة تل ابيب والجامعة العبرية، مروراً بعقد وِرش نقاشية في اكثر من مؤسسة إسرائيلة.

وتابعت كل الأوراق الإسرائيلية البحثية سالفة الذكر المشهد اللبناني من منطلق "متابعة تحرك الشعوب العربية في سياق أحداث مفصلية وتاريخية وعلاقتها بإنتاج الأنظمة وصناعة القرار".. وهذا أكثر ما يهم إسرائيل.

وتعتقد بعض الأوراق البحثية أن احتجاجات لبنان لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، ما لم تتشكل قيادة بارزة وموحدة لكل الجموع المنتفضة، وتضع مجموعة من الأهداف الواقعية التي يمكن تحقيقها والوسائل الكفيلة بتطبيقها.. ودون ذلك، فإن الحراك اللبناني إما سيندثر أو تصل الأمور لحالة للصدام والحرب الأهلية، وفق قراءات هذه المراكز البحثية والأكاديمية الإسرائيلية.

وهذا يعني أن المراكز البحثية والاكاديمية في الدولة العبرية تقرأ ما يجري في لبنان بعمق أكبر مما يتناوله الإعلام الإسرائيلي، حتى أن تغطية الأخير انخفضت بناء على مخرجات الأبحاث والأوراق الأكايديمة.

وبالعودة إلى القراءات الإعلامية الإسرائيلية قبل أيام، فإن القناة "12" افترضت أن لبنان يعيش الآن فراغا سياسياً ما زال مضبوطاً وتحت السيطرة، وأن قضية الفراغ الحالي كشف للشارع اللبناني مَن هي القوى التي تواجدت في التظاهرات، أو حاولت تخريبها ولجمها.

وتساءلت وسائل إعلامية عبرية: "أين حشود المستقبل؟!".. ثم تابعت "إن التحرك الشعبي للبسطاء وهناك من تسلق على ذلك كما جرى في كل ثورات الربيع العربي، ويحاول إحباط المحتجين".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها