آخر تحديث:20:34(بيروت)
الأحد 03/11/2019
share

ثورة 17 تشرين خطوة نحو الفردانية

زكي محفوض | الأحد 03/11/2019
شارك المقال :
ثورة 17 تشرين خطوة نحو الفردانية استوعبت كل أشكال الاختلافات والتناقضات
بفضل ثورة 17 تشرين، هل يبدأ اللبناني المنتفِض على السلطة رحلة البحث عن نفسه كفرد خارج الجماعة الموروثة؛ البحث عن فردانيته، في السياسة والاجتماع، التي تيسّر له – متى أراد - إعادة تشكيل بيئة (أو أكثر) ينتمي ويستكين إليها بظروف وشروط مختلفة عن تلك التي يولد فيها؟
فاللبناني يولَد طائفياً (أي عنصرياً) ومحازباً للكيان السياسي الذي يتحّكم في أسرته الصغيرة وفي بيئته الأوسع. فيتعوّد منذ الصغر على محاذرة اللبنانيين الآخرين (وغير اللبنانيين). وتكون محاولة شروده وإفلاته من بيئته بالولادة مهمة عويصة، لا ينجح في الإقدام عليها سوى الشجعان والأقوياء.

فإذا أقام علاقة ما مع لبناني آخر من دون أن يدري أنه مختلف عنه، سرعان ما يصله "تحذير" من ذلك الاختلاف إما من الأهل وإما من فاعل خير بغية "حمايته" من ذلك الآخر. وأحياناً، يبلغه التحذير بالحدس لدى سماعه الآخر يتلفّظ بحرف القاف بدل الألف الذي يلفظه هو، أو بالظاء بدل الضاد، أو عندما يراه يصلّب ويدقّ على الخشب بدل أن يسمعه يبسمل ويحمدل كما يفعل هو...

إشارات كثيرة تثير في اللبناني، عند بدء تعرّفه على الآخر، "نقزةً" تدفعه نحو الاحتراس الذي يصل أحياناً إلى حد الارتياب المَرَضي. وأكثر الإشارات وضوحاً الأسماء العلم ذات الدلالات الدينية. ولكن، من أبشع ما يعبّر عن اختلاف اللبنانيين عبارة "بَسْ" (وهي للاستدراك بمعنى "ولكن"): "مُسلِمة بس مهضومة وبتفهم"، "صحيح مسيحيّيِ بس أوادم بلا زغرة"... ولا يقدّر المستدرِكون حجم الإهانة التي يوجّهونها لإخوتهم في الإنسانية عبر تلك الـ "بس".

لعلّ العلاقات بين اللبنانيين، لناحية السياسة والاجتماع، تشبه العلاقة التي ربطت عائلتي مونتاغيو وكابيولت في مسرحية شكسبير "روميو وجولييت": عداوة متجذّرة بين أسرتين إقطاعيتين في القرون الوسطى، أحبطت أي تقارب بينهما. وحده الحب نجح في اختراقها، مع أن العاشقَين "استُشهدا" ليهدما هيكل العداوة.

والحب هو أكثر ما يمعن النظام الطائفي في تقويضه. فأي علاقة حب بين فتاة وشاب من طائفتين مختلفتين (حتى لو من ديانة واحدة) تصل دائماً إلى مفترق الطرق نفسه: "هل ننفصل أم نمضي في طريق مظلم؟" هذه الظلمة كان خفّف منها قانون الزواج المدني الاختياري مع مفاعيله. وقد رفضت السلطة إقراره لأنه "اختياري"، أي بملء إرادة الفرد وكامل قوته العقلية. فعبارة "اختياري" تشكّل منصّة للقفز نحو الفردانية، والشرود عن الطائفة والبيئة الموروثة.

وتُحبَط أيضاً العلاقة بين اللبنانيين بسبب الاختلاف الثقافي وعدم تقبّل القادم الجديد إلى عائلة أو شركة أو فريق كرة قدم... النظام الحالي يُفسد الودّ بكل أشكاله. وتنسحب قدرته على الإفساد على أي نوع من أنواع التقارب، كالشراكة التجارية مثلاً، "لماذا توظّف أشخاصاً من خارج جماعتنا؟" يسمح متعصّب لنفسه طرح هذا السؤال المقيت.

في مخ اللبناني ندوب كثيرة مقرّحة، إضافة إلى قاضٍ صغير عند صدغه الأيمن يطرقه بالمطرقة كلّما حاول تعديل زاوية نظره إلى الدنيا، وجلاّد صغير عند صدغه الأيسر يجلده بالسوط لإعادته إلى زريبته. ورغم ذلك، استطاع أن يكتشف أن مأساته عامّة وأنه، كالمختلِف عنه، ضحيةٌ دَفَعَه زعيمه هو، حزبه هو، تياره هو، جماعته هو وأهله، قبل أسياد الآخرين، إلى مجابهة الآخر من طريق غسل الدماغ والتعتيم والشيطنة والتكفير والتخوين والقمع والإفساد...

وكأن اللبناني كان يقطن هيكلاً مُخلّعاً يظلّ فيه دائخاً بسبب أرضيته المزعزعة، حتى جاءت ثورة 17 تشرين. ففي لحظتها الأولى، وهي الأحلى على الإطلاق، انبلج اللبنانيون كحزمٍ من نور انتشرت على مساحة الوطن كاملةً (يا أخي، لا تزعل: من دون مزارع شبعا). أخمدوا الحرائق التي كانت مشتعلة قبل أيام من اشتعال ثورتهم. الكل حطّم نيره وخرجوا جميعاً في شَمَقٍ عظيم.

أراهن أنهم، هم أنفسهم، تفاجأوا بوجودهم كلهم (حسناً، نصفهم) في الشوارع والساحات. لم يحصل في السابق أن تلاقى اللبنانيون حول قضاياهم ومآسيهم من دون نفير، محسوب النغمة، يحضّهم على التجمّع. بدوا فجأة "أفراداً" مواطنين "اختاروا" الانتفاض على حكّامهم "كلن يعني كلن" المتسببين بقهرهم.

وتحلّت الثورة، وهي بلا رأس، بصلابة الموقف ومرونته معاً. وتميّزت بقدرتها على الاستقطاب والطرد السلميين معاً، وعلى توحيد اللبنانيين كل في ساحاتها. لم تعد هناك ساحة مركزية تفرض على الأطراف القدوم إليها، إذ تساوت قيم الساحات من خلال مساهمتها في تغذية الثورة بالعديد والمواقف الموحّدة.

استوعبت كل أشكال الاختلافات والتناقضات. وأفسحت لمناوئيها مجالاً للدخول إلى ساحاتها والهتاف بقناعاتهم. استوعبت تحرّكاً هتف للخامنئي، امتطى فرسانه دواباً بعجلتين ولوّحوا بأعلام صفر. وتحمّلت التنكيل والضرب والغزوات. وفي كل مرّة، كانت تفتح وتغلق بنعومة أنثوية. ولكنّها فرضت على الجميع، وبخشونة سلمية مبطّنة، رفع العلم اللبناني، وإنشاد "كلنا للوطن" الذي عبّر كثيرون عن أنهم يشعرون للمرة الأولى بمعنى هذا النشيد الوطني وقيمته.

لم تصل رسائلها عبر منابر ومنصات قرِف منها اللبنانيون. وصلت بالتواتر. عبر واتسآب مثلاً، كصورة عن ورقتها. ثم أكّدت مطالب الثورة محامية راحت تشرح، تحت خيمة متواضعة خافتة الإنارة، الخطوات المطلوب اتّخاذها من السلطة، على ما نقل أحد الفيديوات عبر السوشال ميديا.

من رسائلها أيضاً الشتائم التي عزّزت سلميتها، عوضاً عن رشق الحجارة المؤذية، فضلاً عن التكسير المحدود لهز بعض رموز الفساد مثل نهب الشوكولا... هذه الأفعال انحسرت، مع بقاء احتمال تكرارها عند الضرورة.

أسالت ثورة 17 تشرين لُعاب الأحزاب المتربّصة بها عند كل منعطف. فهذا الذي نصّب نفسه لحمايتها، وذلك الذي اقترح ترويضها على أساليب النضال... وهي أحزاب عجزت طوال وجودها وهيمنتها عن استقطاب هذا العدد الهائل من المناصرين، على رغم أن بعضها يعتبر نفسه عابراً للطوائف.

شكّلت الثورة منابر لقصص الناس ومآسيهم ومعاناتهم. فأيقن المنتفضون أن همومهم وقضاياهم متشابهة، وأن مسببيها هم أنفسهم القيّمين على الزعامات والطوائف التي طالما انتموا إليها بالوراثة وبلا تفكير.

لا شك ولا بد أيضاً أن بعض ما يحصل في الساحات يسيئ إلى الثورة، وما يحصّنها من تلك الإساءات نعومة انفتاحها وانغلاقها في وجه من يودّ الانضمام إليها أو الانفصال عنها... واستمراريتها سلميةً. فمن المستحيل أن تنجح الثورة، خلال ثلاثة أسابيع فقط من الانتفاض، في بلسمة الندوب وتنظيف الأوساخ وتغيير العقليات وإرساء لغة موحّدة جديدة.

إنها ثورة نابعة من روحية جيل طالع وحيويته ونضارة تفكيره.

وفي الأثناء، الثورة في خطر وحياتنا في خطر. ولكن الثورة ستعلّمنا كيف نصبح أفراداً أصحاب قرار، نرى بعضنا بمنظار الإنسانية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها