آخر تحديث:12:30(بيروت)
الأربعاء 27/11/2019
share

وهتفنا معهم: "شيعة.. شيعة!"

قاسم مرواني | الأربعاء 27/11/2019
شارك المقال :
وهتفنا معهم: "شيعة.. شيعة!" في مواجهة غزوة "أمل" و"حزب الله" على الرينغ (غيتي)

من كان ليجرؤ على التنقل في طرق بيروت ليل أمس؟ من كان ليجرؤ على السير في أزقتها؟ تحولت العاصمة إلى ثكنة عسكرية. وبينما جلسنا في إحدى الحانات نشرب كأساً بعد نهار طويل، كان كل منا يضع رأسه في هاتفه ويتابع أخبار المناطق: بكفيا، طرابلس، عين الرمانة التي أعادت إلينا هواجس الحرب. كان ذلك مقصوداً تماماً، أرادونا أن نخاف وأن ننسحب وأرادوا أن يصبوا الزيت فوق نيران كل المناطق كي لا يكونوا المتهم الوحيد بالوقوف بوجه التغيير.

آلة القمع بدأت مساء الأحد، الذي كان من المفترض به أن يكون مساءً عادياً من مساءات الثورة، تظاهرات وتجمعات ونشاطات تستكمل ما بدأ في عيد الاستقلال. قررنا قطع الطريق على جسر الرينغ كي لا تتحول الثورة الى مجرد مهرجان لا يزعج السلطة بالقدر الكافي، فلقد مرّ شهر على استقالة الحكومة والإستشارات النيابية لم تُجرَ بعد لتكليف رئيس حكومة جديد. الهدف الرئيسي هو إيقاظ السلطة من سباتها وتأليف حكومة تلبّي تطلعاتنا. كان يفترض به أن يكون قطع طريق عادياً، يستدعي ردّ فعل عادياً.

يوم الرينغ، كان كل شيء يسير على ما يرام، غادرتُ المنزل وحين وصلت، فوجئتُ عبر شاشة التلفزيون بحشود مناصري "حزب الله" و"حركة أمل" يهاجمون المتظاهرين بينما يقف الجيش اللبناني حاجزاً بينهم برفقة القوى الأمنية الأخرى. أتوا بأعداد كبيرة، هاتفين "شيعة شيعة!"، ولم يعرف أحد من أين أتوا بكل تلك الحجارة التي رموها على المعتصمين السلميين. ورغم البرد تلك الليلة، إلا أنهم كانوا عراة الصدور. حين حاول بعض المتظاهرين الرد عليهم بإطلاق شعارات ضد حسن نصرالله ونبيه بري، قام بقية المتظاهرين بإسكات هذا البعض. بضعة شبان من المعتصمين حاولوا التسلح بالعصي والحجارة لمواجهة الغزاة، إلا أن رفاقهم منعوهم من افتعال أي مشكلة، حتى عندما التف مناصرو "أمل" و"حزب الله" من شارع مونو وهاجموا المتظاهرين، منع الرفاق رفاقهم من مواجهتهم، معتمدين على الجيش اللبناني لحمايتهم. عند حوالى الرابعة صباحاً، كانت الساحة قد خلت من المتظاهرين وبقي فيها بعض الشبان يصدحون "شيعة.. شيعة".

في تسعينيات القرن الماضي، بدأ يتشكل لدينا الوعي لانتمائنا الشيعي. كنا حينها أطفالاً، نذهب إلى مجالس العزاء الحسينية، نُلقّن محاربة الظالم ومناصرة المظلوم. في شهر آذار، كنا نشارك في تظاهرات للمطالبة بتطبيق القرار 425 الذي ينص على انسحاب اسرائيل من الجنوب. مع الوقت، بدأنا نشارك في مهرجانات إحياء ذكرى السيد موسى الصدر، مؤسس حركة المحرومين. كنا شيعة، محرومين ومظلومين، ونناضل.

في العام 2000، تحررنا من الاحتلال الاسرائيلي للجنوب. تملّكنا بعدها شعور بالفخر، كان لدي كل الفخر حين نزلت إلى بيروت لأتابع دراستي الجامعية، لأقول وبقوة، أنا من جنوب لبنان وأنا شيعي. بعد حرب تموز 2006، بقينا نحمل معنا مظلوميتنا ومعاداتنا لكل ضيم، لكننا أصبحنا الآن أقوياء، وبقينا فخورين بجنوبيتنا وشيعيتنا.

عندما بدأت الثورة كان مكاننا الطبيعي، كشيعة، أن نكون في صلبها. فهي ثورة لرفع الظلم عن المظلوم، والحرمان عن المحروم. لم نتخيل حين بدأنا التظاهر في الشوارع، أن يأتينا الاتهام بالخيانة من "أبناء جلدتنا"، من أنصار "أمل" و"حزب الله" الذين حاربنا معهم، جنباً إلى جنب في كل قضايانا الوطنية والإنسانية، والذين يعانون مثلنا تماماً، الفساد نفسه، والظلم نفسه، والحرمان نفسه.

في اليوم التالي لليلة الرينغ، عدنا إلى الجسر لنثبت أننا ما زلنا هنا، ومصرون على المضي قدماً، وسط تواجد خجول للجيش اللبناني والقوى الأمنية. ثم أتوا مجدداً. مئات الشبان على دراجاتهم النارية، يحملون أعلام "حركة أمل" و"حزب الله"، يهتفون "شيعة.. شيعة". ورحنا نهتف معهم: "شيعة.. شيعة!". استغلوا الوجود الأمني الضعيف لينهالوا علينا بالضرب، بالعصي والحجارة والسكاكين. وإن اختلف طول شعرهم ولون بشرتهم، إلا أنهم كانوا جميعاً يملكون الملامح الحاقدة نفسها. وإلى حين وصول تعزيزات الجيش، كانوا قد أسقطوا بعض الإصابات بيننا. لم يكن الضرب هو المؤذي، بقدر شعارات التخوين والكراهية والعمالة. أن يتهمك أحدهم بالخيانة، فهو يغلق الباب في وجه أي حوار أو محاولة للتعايش معك، يعتبرك مواطناً من الدرجة الثانية وينزع عنك أهليتك.

في العام 1996، هدم بيتنا في الجنوب بغارة اسرائيلية. بعد الحرب، وقبلها، كنت أجلس على شرفة منزلنا في القرية، أتفرج على القذائف تنهمر على مجدل سلم والصوانة وغيرهما من القرى. في العام 2000، وقفت إلى نافذة المدرسة، أراقب فلول العملاء ينحدرون مستسلمين من موقع برعشيت المواجه لنا. في العام 2006، نزحنا من الجنوب الى بيروت وصمدنا مع غيرنا في المدارس الحكومية التي آوتنا. نحن لبنانيون، جنوبيون، شيعة، مقاومون ومستمرون في هذه الثورة إلى النهاية ولن نقبل أبداً أي اتهام بالخيانة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

قاسم مرواني

قاسم مرواني

كاتب لبناني

مقالات أخرى للكاتب