آخر تحديث:23:44(بيروت)
الجمعة 22/11/2019
share

الثورة بمواجهة التعتيم

نذير رضا | الجمعة 22/11/2019
شارك المقال :
الثورة بمواجهة التعتيم العرض المدني استدرج وسائل الاعلام للتغطية، فاستدرجت الجموع للحضور بكثافة (ريشار سمور)
الإنكفاء الإعلامي عن تغطية التحركات المطلبية خلال اليومين الماضيين، كسره العرض المدني الذي نفذته تشكيلات مدنية وجموع المحتجين اللبنانيين اليوم في ساحة الشهداء، فاستدرج وسائل الاعلام لفتح تردداتها من الشوارع، خلافاً للإنكفاء الذي بهت نتيجة تراجع الزخم مع عودة الطلاب الى المدارس، واستئناف الاعمال في المصارف والمرافق العامة. 

والانكفاء، يُنظر اليه على أنه مبرّر، بالنظر الى تراجع التطورات والاحداث، باستثناء ما اتصل منها بقطع طرقات متفرقة، وتجمع في الساحات والاعتصام في مواقع محدودة، تلا قراراً اتخذته قيادة الجيش بفتح الطرقات خلال الاسبوع الماضي، وهو ما دفع وسائل الاعلام لاستئناف دورة برامجها المعتادة. 

وعليه، أوحى هذا التراجع بالتغطية الاعلامية الميدانية بأن الثورة همدت. فمنصات مواقع التواصل الاجتماعي، لا تستطيع أن تحشد المتظاهرين، بالنظر الى الشكوك التي تحيط بمصداقية المعلومات فيها. بينما يتعاطى الجمهور مع أنباء وسائل الاعلام التقليدي بجدية وموثوقية أكبر، ذلك ان بعضها أخذ على عاتقه دحض الشائعات وتبيان الصحيح من الزائف في مواقع التواصل، وهو ما يدفع الناس للتحرك باتجاه الساحات عند اي دعوة أو منعطف، فساهم تراجع التغطية في الاحجام عن ارتياد الساحات بقوة. 

في السابق، ارتسم الاستقلال في ذاكرة اللنبانيين على صورة عرض عسكري، ينتهي بمصافحة الرؤساء والوزراء في القصر الجمهوري. هو حدث ممل، من وجهة نظر شعبية، وتقليد مكرر، يستثني الناس من حدث هم أكثر المعنيين به، ولا ينخرط فيه احتفائياً إلا اطفال المدارس ضمن قواعد احتفالية تقليدية تتكرر سنوياً، كما يشارك فيه الفنانون ضمن مبادرات غنائية وطنية. 

امام هذه المعطيات، جاءت الدعوة للعرض المدني في ساحة الشهداء. جذب الحدث وسائل الاعلام التي باشرت التغطية منذ الصباح، وواكبت التحركات باتجاه ساحة الشهداء. وفي المقابل جذبت تلك التغطية جموع المحتجين للمشاركة في حدث، هو الاول منذ استقلال لبنان، كعرض رديف للعرض العسكري والاحتفالات الرسمية، بما يؤهل الاستقلال ليكون حدثاً شعبياً، يُعنى به المواطنون بالقدر نفسه الذي تُعنى به السلطة والجيش. 

والحال، ان الاختلاف بين الاحتفالين، أن العرض العسكري الرسمي، يفرض على وسائل الاعلام الالتزام بالتعليمات، ومواكبة البرنامج الرسمي. وتُستدرج اليه وسائل الاعلام لتغطيته بوصفه حدثاً رسمياً، ويُفرض عليها الكادر والتغطية. أما العرض المدني، فاستدرج وسائل الاعلام المعنية وفق القواعد الاعلامية لتغطية الحدث الجديد والمدهش. توجهت اليه من تلقائها نفسها. ومن آثار جدة الحدث، أنه استدرج جموعاً للمشاركة، لم تكن بهذا القدر من الاندفاع لولا التعاطي الجدي لوسائل الاعلام معه.

ويثبت ذلك ان الثورة لا تزال قادرة على الابتكار، لحفظ وجودها واستمراريتها. فالابتكار سمة أساسية من سمات حراك وطني مستمر، لا يتوفر صموده لاستكمال مهمته إلا بعنصرين: الابتكار، واستدراج وسائل الاعلام للتغطية. وقد نجح في ذلك، منذ 37 عاماً، منقلباً على مشهديات مكررة لحراكات ثورية تأطّرت بالمشهدية الحزبية حيناً، وحوصرت بقصر النفس إثر غضب ثوري حقق ما يستطيع تحقيقه بالقوة خلال ثلاثة ايام. هذا المشهد انكسر في حراك 17 اكتوبر، وباتت ثورة بمواجهة التعتيم، تختلق الاحداث لتنير نفسها بعناصر الصمود والتمدد.. ونجحت بذلك. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها