آخر تحديث:18:26(بيروت)
السبت 02/11/2019
share

"إل كامينو" يمنح جيسي بينكمان الخاتمة التي يستحقها

يارا نحلة | السبت 02/11/2019
شارك المقال :
"إل كامينو" يمنح جيسي بينكمان الخاتمة التي يستحقها
قليلة هي المسلسلات التلفزيونية التي إستطاعت المحافظة على ثباتٍ من حيث الجودة والتشويق، خلال مواسم مطوّلة، على غرار سلسلة "Breaking Bad" الأيقونية. ويمكن الحديث بشبه إجماعٍ بأن الحلقة الأخيرة التي بثّتها شبكة "AMC" في العام 2013 هي واحدة من أجمل الخواتيم الدرامية في تاريخ الصناعة التلفزيونية. لذلك، جاء الإعلان عن إنتاج فيلم "El Camino"، كتتمة لمسلسل "برايكنغ باد"، مستغرباً بعض الشيء، مع تساؤل الكثيرين عن جدوى هذا العمل وتخوّفهم من تشويه روحية المسلسل وخاتمته الملحمية.


لعلّ القيمة المضافة التي يحملها فيلم "إل كامينو،" من تأليف وإخراج فينس غيليغان، تتجسّد في إعادة زيارة إحدى الشخصيات الأكثر شعبية في عالم الدراما، والغوص في أعماقها على نحوٍ لا يعكّره الوجود المهيمن لبطل المسلسل هايزنبرغ/والتر وايت. فالجمهور قد حصل على وداعٍ لائق مع شخصية المسلسل الرئيسية التي قضت في آخر حلقاته (والتي أدّاها الممثل براين كرانستون)، لكن أسئلةً كثيرة ظلّت تحيط بمصير جيسي بينكمان، رغم أن صدى الصرخة التي أطلقها في مشهده الأخير، محتفياً بحريته بعد أسرٍ طويل، مازال يرنّ في آذاننا.

الفيلم الذي تبثّه منصة "نتفليكس" منذ 11 تشرين الأوّل، يلتقط قصة جيسي حيث تركها المسلسل؛ في لحظة فراره من القفص الذي سجن فيه بظروفٍ وحشية، والتي تلت مفارقته لشريكه في تصنيع مخدّر "ميث"، والتلر وايت. يركّز الفيلم على رحلة جيسي في تحصيل المال الذي يحتاجه من أجل شراء هوية وحياة جديدة. ورغم أن عنوان العمل الذي يترجم إلى "الطريق" أو "الدرب"، نرى جيسي عالقاً ومحاصراً معظم الوقت، ليس فقط في نيو ميكسيكو (حيث تطارده الشرطة وعصابات المخدرات) بل أيضاً في عقله الذي تستحكم به التروما مع مزيجٍ من مشاعر الذنب والعجز.

يظهر جيسي مكسوراً ومهزوماً، بندوب عريضة على ظهره وألم واضح في عينيه المذعورتين. نراه في صورةٍ مختلفة تماماً عن الشابّ البريء، الطائش، والأخرق بعض الشيء الذي رأيناه في المواسم الأولى للمسلسل، وهي الصفات التي دفعتنا إلى حبّه والتعاطف معه بشكلٍ يفوق تعاطفنا مع بطل المسلسل (والتر وايت) أو بالأحرى "البطل المضادّ". نلحظ مدى تطور هذه الشخصية وتقلبها من خلال flashbacks تظهره بكامل حيويته الساذجة، تلك التي زجّته في عدد من القرارات الخاطئة التي يجد نفسه اليوم مجبراً على مواجهتها.

يُفتتح الفيلم بلقطةٍ سينمائية مذهلة، يتحدّث فيها جيسي ومايك عن إقتناء هوية جديدة والبدء من الصفر، في "فلاشباك" يسبق فترة أَسر جيسي. الحوار الذي يدور بين الرجلين يهيء الجوّ لأحداث الفيلم ويرسم مسارها. يسأل جيسي، العجوز مايك، أي منفى يختار لنفسه لو كان الأمر عائداً إليه، فيجيبه الأخير: "آلاسكا.. إنها الجبهة الأخيرة". وحين يعبّر جيسي عن رغبته في "تصحيح الأمور" يوماً ما -أي تصحيح الفساد الذي إستشرى في شتى جوانب شخصيته- يجيبه مايك بإستحالة الأمر. كان ذلك منذ سنوات، قبل مرور جيسي بتجارب القتل، الحبس، التعذيب، فقدان حبيبتين -الأولى في جرعة زائدة والثانية قتلاً- إلخ.. أما جيسي الذي نراه في الحاضر، أي في الإطار الزمني للأحداث، فقد أدرك أخيراً أنه لم يعد يملك ترف الإنكار، أنه مجبر على التعايش مع كلّ ما إقترفه وكلّ ما إرتكبه، مهما كان فظيعاً. يتقبّل جيسي هذا المصير ويتأقلم معه، منتقياً "آلاسكا" الواسعة والجرداء لتكون وجهته الأخيرة، تلك التي سيختلي فيها بنفسه، بسوداويته، وبذنوبه التي تعذّبه.


إن عبور جيسي بينكمان من الطيش إلى النضج، يبدو مقنعاً للغاية بفضل الأداء الخام والمتعرّي للمثّل بول آرون. ينتقل آرون بإستمرار، في "فلاشباك" من حقبات متعدّدة، بين شخصيات مختلفة: السجين المهشّم والخاضع بالكامل، الحيوان البرّي الهارب من ملاحقة الشرطة وشياطينه، الشابّ الساذج مدمن المخدرات، تاجر المخدرات الهاوي، العاشق، وأخيراً الرجل الناضج. يعكس السيناريو هذا التحوّل الجذري الذي شهده جيسي عبر إستبدال الشخصية الثرثارة الصاخبة من المسلسل، بشخصية صامتة تحمل، رغم إنطوائيتها، وعياً ذاتياً وبصيرة ثاقبة. ويُترجم ذلك بالغياب التام لمفردة "Bitch" التي إلتصقت بشخصية جيسي بنكمان لكثرة ما تفوّه بها.

كان غيليغان حريصاً على صون روحية المسلسل لناحية الغموض، الإيقاع  البطيء، البناء المعقّد للشخصيات، التركيز على التفاصيل، وبالتأكيد السينماتوغرافيا المبدعة. ولعلّ أبرز  سمات مسلسل "برايكنغ باد" هي العدسة الإخراجية التي لها الفضل في صناعة تجربة بصرية جامحة، والتي بقي المخرج وفياً لها عبر إعطاء الكاميرا كلمة الفصل والحسم. فالجمالية السينمائية التي أرست تفوّق "Breaking Bad" في عالم التلفزيون ليست غاية في حدّ ذاتها، بل يتمّ توظيفها من أجل غاية أبعد، وهي إحداث أثر سيكولوجي لدى المشاهد يتعدّى التأثيرات المباشرة للسيناريو والأحداث. فبلغة الصور المؤلفة من لقطات واسعة لصحراء نيو ميكسيكو، ومن Time-lapse يظهر فيها جيسي، في ثماني إطارات مختلفة، وكأنه ثمانية فئران تقلب غرف المنزل الثمانية رأساً على عقب بحثاً عن المال الذي يمثّل فرصته الوحيدة للنجاة، يقول لنا المخرج: لا مجال للسيطرة على مسار الكارثة، لا مجال للنجاة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها