آخر تحديث:19:59(بيروت)
الأحد 17/11/2019
share

إسرائيل تستثمر بـ"تقسيم" المُقاومة في غزة

أدهم مناصرة | الأحد 17/11/2019
شارك المقال :
إسرائيل تستثمر بـ"تقسيم" المُقاومة في غزة



الخسارة الكُبرى في جولة التصعيد الأخيرة التي وقعت في غزة نهاية الأسبوع الماضي، تتجلّى بنجاح إسرائيل الإعلامي للمرة الأولى في ترسيخ دعاية "أن المقاومة منقسمة ومختلفة" لدى أطياف فلسطينية، فذهبت الأخيرة إلى حيث الوجهة التي يريدها الإعلام العبري عبر الوقوع في مربع "المُزاودة".. 

فما أن أُعلن عن وقف إطلاق النار في جبهة غزة حتى انهالت منشورات فايسبوكية فلسطينية بموازاة تغريدات عبر تويتر، لتوجه اللوم، تارة لـ"الجهاد" بإعتبار أنها قبلت بإنهاء القتال وفق شروط عادية ودون مستوى تضحيات الشهداء ودمائهم، وتارة أخرى لحركة "حماس" متهمين اياها بأنها "خذلت الجهاد وتركتها في المعركة وحيدةً".

"المواجهة الحالية أظهرت أنه لم يعد هناك عنوان واحد في قطاع غزة، بل يوجد اثنان"، هذا التحليل الذي خلصت إليه قناة "كان" العبرية بعدما وضعت معركة غزة الأخيرة أوزارها مرفقة معه صورتين، إحداها لرئيس مكتب "حماس" في غزة يحيى السنوار والثانية لأمين عام "الجهاد" زياد النخالة.. فاختزل التحليل مآل الدعاية الإسرائيلية التي اخترقت صفوف الفلسطينيين بكل سهولة، ودونما عائق..

وكي يتعمق الأسفين الذي دقه الإحتلال الإسرائيلي في صفوف الفلسطينيين، راحت التحليلات والقراءات الإسرائيلية لتتحدث عن تشابه بين موقفي حماس وإسرائيل من ناحية تشديدهما على الحفاظ على تهدئة غزة ورفض التصعيد، وأن ذلك كان جليّاً من خلال الرسائل المتبادلة التي نقلتها مصر خلال فترة التصعيد.

بيدَ أنّ هذا لم يمنع وسائل إعلام عبرية مثل القناة "13" من طرح التساؤل الأبرز طيلة المعركة، قائلة: "ليس المهم رد الجهاد، ولكن هل ستنضم حركة حماس إلى رد الجهاد الإسلامي؟!". فيما كشفت صحيفة "معاريف" عن مسارعة إسرائيل للقبول بوقف إطلاق النار في غزة بعد تقديرات عسكرية وامنية في تل ابيب لجهات رفيعة، مفادها "المواجهة في غزة يجب أن تتوقف قبل انضمام حركة حماس".

وانتهت المعركة.. حتى تصدرت منشورات على السوشال ميديا، حرصت على توجيه لوم شديد لـ"حماس" من خلال اتهامها بـ"التخلي عن الجهاد من أجل المال والمصلحة"، بغض النظر عن خلفية هذا النقد، وما إذا كان نابعاً عن موقف مسبق اتجاه حماس بسبب الخصومة السياسية، أو من منطلق الخوف من أن "كتائب القسام قد تغيرت فعلاً وانتقلت إلى طريق جديد!".

والحال، أن "المشهد الإنقسامي للمقاومة" الذي يحاول الإحتلال تكريسه على ضوء المعركة الأخيرة، ليس نتيجة سياسة إسرائيلية "مستحدثة" و"طارئة"، كما أنه ليس تكتيكاً إسرائيلياً يُستخدم للمرة الأولى لإثارة الفتنة والضغينة بين فصائل الإسلام السياسي مثل "حماس" و"الجهاد".. بل تُعتبر قديمة وقد تم اتباعُها في صفوف فصائل علمانية ويسارية منضوية في منظمة "التحرير الفلسطينية" في فترات سابقة، كما يكشف المحلل السياسي الإسرائيلي عكيفا إلدار في مقال كتبه في صحيفة "هآرتس".

وفي السياق، يقول عكيفا إلدار أن الإستخبارات الإسرائيلية وضعت خططاً لصناعة الفوضى بين المنظمات الفلسطينية بداية السبعينات من القرن الماضي، مبيناً أن الجديد هو أن نتنياهو استدعى في هذه الأثناء، الخطة الإستخباراتية المذكورة من أجل زرع الخلافات بين الفصائل في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومروراً بقياداتها المتواجدة في خارج فلسطين .. حتى أن وزير جيش الإحتلال الجديد نفتالي بينت هو الذي يشرف مباشرة على هذه الخطط.

يتفق رواد "المطبخ الأمني الإسرائيلي" على تنويع أدوات تحريك الفوضى وتعزيز الخلافات بين الفلسطينيين عبر التشغيل المكثف للدعاية، والضغط العسكري المتوازن، وهذا ما ترنو إلى تحقيقه فعلاً الدولة العبرية في قطاع غزة، كما اعتمدته في فترات سابقة ولاحقة بالضفة الغربية.

وتعتمد تل أبيب لتحقيق هذه الغاية في استثمار عناصر التوتر داخل المنظمات لزيادة الفجوة، كإظهارهم يتصارعون على قضايا تنافسية بشكل دائم.

ولكن، بعيداً عن المزاودة الحاصلة في السوشال ميديا، لماذا امتنعت كتائب القسام عن الدخول بكل ثقلها في جولة التصعيد الأخيرة؟.

على الرغم من أن أوساطاً إسرائيلية على رأسها نتنياهو، اتهمت "حماس" بأنها تقف وراء إطلاق صواريخ اتجاه بئر السبع بعد ليلة من وقف إطلاق النار، وذلك إرضاء لـ"الجهاد الإسلامي"، تنفي مصادر إعلامية وسياسية من حماس لـ"المدن" وجود أي خلاف حقيقي مع "الجهاد".. لكنها، تقر بوجود تباين بوجهات النظر إزاء بعض القضايا "الصغيرة" في الميدان والسياسة، تحت عنوان أن الحركتين ليستا "نسخة كربونية" بالمحصلة.

وتبرر هذه المصادر عدم الإنخراط العسكري لـ"حماس" في القتال الأخير، بأنها بنت سلوكها على سؤال طرحته على نفسها و"الجهاد" وبقية فصائل المقاومة، وهو "هل نحن مستعدون وقادرون على دفع فاتورة أي حرب جديدة؟!"

ويوضح المصدر أن ما جرى من غياب "القسام" العسكري في جولة القتال التي وقعت بجبهة غزة الأسبوع الماضي، نابع من "تكتيك" سياسي وإعلامي جديد قررت حماس تبنيه وفق قرار جديد تم تعميمه، وذلك من منطلق أنها لم تعد تفكر بعقلية "2006"، بل أن المرحلة الحساسة والمعيطات الداخلية والإقليمية، تقتضي التعامل بطريقة أكثر ذكاء من الناحية السياسية والعسكرية.

ويكشف مصدر من "حماس" لـ"المدن" أن رئيس مكتب "حماس" في غزة يحيى السنوار، بنى سلوك "القسام" الميداني في التصعيد الأخير على قراءة للمشهد السياسي الإسرائيلي، مبيناً أنه كان يخشى من أن دخول القسام للمعركة سيجلب كارثة لسكان غزة و"تغييراً للواقع"، بموازاة إبقاء بنيامين نتنياهو على رأس الحكم في إسرائيل، وهذا ما لم يرده السنوار.

مع ذلك، يرى المحلل السياسي أمير ليفي في مقال كتبه بموقع "ميدا" الإخباري الإسرائيلي، أن المواجهة الأخيرة في غزة كانت جزءاً من معركة واسعة مع إيران، وكأنّ المعركة أسهمت أيضاً في التمييز في شكل العلاقة بين "الجهاد" وإيران التي توصف بأنها عضوية، وكذلك تلك التي تتسم ب"المصلحية" بين "حماس" والجمهورية الإسلامية.

ويرى ليفي أن الحركة تستمر في توظيف جهد كبير في تحصين مكانتها كحاكم فعال في القطاع.. ويتابع "إذا اتضح أن حماس ليست قادرة على السيطرة على غزة، حينها يُطرح السؤال مرة أُخرى: هل هناك طرف ما يسيطر على القطاع، وما دلالة ذلك؟. مع مرور كل ساعة واستمرار القصف، تصبح هذه الأسئلة أكثر إشكالية".

أما وقد انتهت الرقابة الذاتية الفلسطينية في وقت العدوان، وجه بعض الناشطين الفلسطينيين "دعوة صادقة لنا جميعًا كفلسطينيين أحزابًا وفصائل، سلطة ومعارضة"، من أجل الإجابة على السؤال الصعب، وهو:"ماذا نريد؟.. وماهي  الطريقة التي سنصل بها لِما نتفق ونُجمع عليه؟!".

لعله سؤال يضع الإصبع على الجرح؛ ذلك أنه يفتح باب المصارحة مجدداً أمام المطالبة بتفسير أو إعادة تعريف "منطق الربح والخسارة.. الهزائم والانتصارات"، التي تثيرها الأطياف السياسية الفلسطينية من يمينها إلى يسارها في كل حقبة سياسية من تاريخ قضية فلسطين، وفق مفهومها الخاص بها.

الواقع، أن هناك طيفاً مهماً في الشارع الفلسطيني بات لا يؤمن بأي أحد، وغير محسوب على دائرة الإصطفاف ضمن منطق "مع وضد"، ويُعتبرُ الأكثر إلحاحاً على ضرورة هذه المراجعة والتقييم لـ"الذات الجمعية".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها