آخر تحديث:00:01(بيروت)
الأربعاء 13/11/2019
share

رسالة إلى ممتعض من 17 تشرين

جهاد بزي | الأربعاء 13/11/2019
شارك المقال :
رسالة إلى ممتعض من 17 تشرين

عزيزي الممتعض،
أراك متقلباً في سريرك غارقاً في الهمّ، كأن مغصاً أليماً أصابك في 17 تشرين ولا يفارقك منذ ذاك التاريخ. لماذا يا عزيزي؟

أنت، ومذ رأتك عيوننا، في الخندق الصحيح، مع الفقراء ضد الأغنياء، مع الشفافية والمحاسبة، ضد الفساد. مع الناس ضد الطبقة الحاكمة التي لشدة ما تحتقرها لا يمكن أن تذكرها من دون أن تتغضن ملامحك قرفاً. مع الطيبين ضد وحوش رؤوس الأموال. مع الوطنيين ضد عملاء السفارات، مع منطق الثورة التي تقلب الطاولة على الجميع، وضد المواقف الرمادية الانهزامية. مع الشجاعة الصادقة ضد العقلانية المقيتة. مع الصراع الطبقي ضد الصراع الطائفي. مع نبض الشارع ضد نبض الحيتان.. مع صوت الشعب ضد صوت الحاكم.

لماذا وصلت إلى 17 تشرين وصرت رصيناً وعقلانياً وخائفاً على مستقبل البلد؟ على مقاسك المفترض فصَّل اللبنانيون ثورتهم هذه. نزلوا إلى الشارع بجميع أطيافهم، نساء ورجالاً ومراهقين وموظفين وعمالاً وعاطلين عن العمل ومتقاعدين وطلاباً. نزلوا في كل محافظات لبنان. رفعوا علماً واحداً ولم يجرؤ سياسي واحد على مصادرة أصواتهم الملونة أو حتى على الوقوف بينهم.

وهم من اليوم الأول ينادون بما ناديت به دائماً، كأنهم جاؤوا ينادون بمطالبك، كأنهم قاموا بالثورة خصيصاً من أجل إرضائك، ولم ترضَ. ماذا يعطونك أكثر بعد؟

عزيزي الممتعض ضمناً أو علناً من الثورة،
خذ هذه الثورة مثلاً. ثورة حقيقية وليست حراكاً كما سميتها من أيامها الأولى. أنت تظن أن التسمية فضفاضة لأنك تنظر من فوق إلى اللبنانيين، ولا ترى من فوقيتك أن هذا الشعب فيه مواطنون عاديون يمكن أن ينزلوا إلى الشارع من دون أن يسيروا في جماعة موحدة مرصوصة إلى حيث دعاهم كبيرهم ليلقي فيهم خطاباً ويهتفون بفدائه. 17 تشرين هو ثورة أولى ضد الصورة المحفوظة عن اللبنانيين المعلّبين في طوائف وفي زعماء. وهو ثورة ضد يأس يتحكم بهم منذ أمد طويل بأن التغيير مستحيل وأن اللقاء بينهم مستحيل. وأن تغييراً ما في النفوس مستحيل.

ها هم كسروا ما كان يبدو عصياً على الكسر، والتقوا فرادى، كل يحمل همه الشخصي الخاص الذي لا بد أن يكون عاماً. كل يعلن سذاجته الثورية التي تصر على أن يكون كل واحد الممثل الشرعي الوحيد لنفسه والناطق الرسمي باسمها والممول السري والعلني لها. لكل مطلبه، وكل المطالب عادلة ومشروعة ما دامت بأصواتهم.

عزيزي، هذه الثورة بسيطة فعلاً، وطيبة القلب، ولأنها كذلك فهي واضحة وجلية وناصعة. لكنك قررت من البداية أنك تعرف مصلحتهم أكثر منهم، وأرهقت نفسك بالقراءة بين السطور، ونسجت سفارات في خيالك ومؤامرات، وتمسكت بتلابيب العفة والأخلاق. كثير هذا الجهد الذي تبذله والذي تطوعت له من دون طلب. لماذا تزعج نفسك في ما لا شأن لك ولا دخل به، وبهم. ثم أنك ذهبت أبعد من ذلك، إذ رحت تطلب من الآخرين أن يبرروا لك ما يفعلونه. لماذا؟ ليس مطلوباً من الناس أن تزيل عنك مخاوفك وأن تشرح لك ما تفعله وما لا تفعله. ليس عليها أن تبرهن براءتها أمامك لأنها لم تعيّنك أصلاً وصياً عليها، بل هي انتفضت ضد وصايتك بالتحديد. ليس مطلوباً منك في المقابل أن تبرر لها خوفك منها، لكن من الأفضل لصحتك النفسية على الأقل أن تفسر سبب هذا الارتياب المرَضي الذي أصابك مذ رأيت أن المشهد اختلف عن منظومة أفكارك الجاهزة ومصالحك المستقرة.

لا تنتظر من الثورة شيئاً وهي لن تنتظر منك في المقابل. هي من البداية تخطتك وتخطت أشباهك ومقلديك وكهوفك. إنها، كأي مراهق أو مراهقة فيها، مكتفية بنفسها فقط، وبصوتها العالي، وبتحررها المطلق من الأب الحكيم الذي يعلم كل شيء. وقد يكون هذا سبب الألم الذي لا يفارق معدتك، وقد انتبهت إلى تخبطك وأن صوتك غير مسموع أبداً، وأنت تائه، ساعة تهدد وساعة تشكك، ثم تعود لتعظ الناس في الشارع كأن لك رأياً عليهم. لا رأي لك هذه المرة، وليس لك إلا الامتعاض.

عزيزي،
نيّتك سيئة على الأرجح، وموقفك من الثورة يأتي في سياقه المعتاد الذي لا يُنتظر منك غيره، وقد تقدر على قمع هذه الانتفاضة اللبنانية الأولى في تاريخ البلد، لكنك لن تدفنها. ثمة لبنانيون التقوا واكتشفوا بعضهم بعضاً. اكتشفوا الشبَه الحقيقي بينهم، واكتشفوا قدرتهم على تحطيم أصنام عديدة. اكتشفوا أن البلد من دون إله أوحد، بلد أرحب وقلبه أكبر. وهذا وحده انتصار كبير.

يا الممتعض،
هذه الرسالة ليست موجهة إليك، إلا إذا قرأت بين سطورها أنها كذلك. هي محاولة تشخيص للحالة المستعصية التي تعيشها منذ 17 تشرين. الدواء ليس هنا. ومن الضروري التأكيد لك مجدداً، ولمرة أخيرة، أن الثورة ليست مسؤولة عن مغصك المستدام هذا، وأن البحث عن حل له، قد يكون سهلاً بحجم كوب يانسون ساخن مثلاً، وليس بالأرق ووَصل الليل بالنهار في سبيل البحث عن مواعظ واتهامات أخرى للبنانيين، أنت تعرف أنها بلا فائدة، وقد تخطّوها وتخطّوك معاً.

وفي سبيل حسن الختام، دُمتَ عزيزي، أما امتعاضك، فلا فرق إن دام أو زال. فقط دع 17 تشرين لشأنه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها