آخر تحديث:19:14(بيروت)
الأربعاء 09/10/2019
share

ثلاثية الدولة.الهيبة.الفساد

زكي محفوض | الأربعاء 09/10/2019
شارك المقال :
ثلاثية الدولة.الهيبة.الفساد قوى الأمن خلال تأمين تظاهرة أمام مبنى الضريبة على القيمة المضافة (ريشار سمور)
في عاصفة الرعب التي تهبّ على لبنان حالياً، يكفي أن يسأل أيّ كان، عبر السوشال ميديا، "ما قصّة الدولار؟"... حتى يبدأ اللبنانيون بـ"الابتهال" إلى العفريت، وعيونهم على كفّه، لكي يعفي عن مصيرهم المشؤوم هذه المرة... كما في كل المرات السابقة. ولعلّهم باتوا يتضرّعون إلى ذلك الكائن الخرافي لأنهم يجدونه أكثر شفاعة بأوضاعهم من حبال الهواء ومن المسؤولين عن إدارة شؤونهم.

نعم، إلى هذه الدرجة من قلّة الثقة والفزع واليأس وصلت بنا الأمور. إلاّ أن الملامة لا تقع على المسؤولين وحدهم، إنما أيضاً، والحق يقال، على الذين من بيننا انتخبوهم وسلّموهم رقابهم ورقاب الذين لم ينتخبوهم، من دون أي تدبير أو رؤية لكسر النير.

وفي ظل هذا التسليم، طبيعي أن ترى سلطة مسيئة للأمانة في تغريدة الصحافي عامر شيباني، الذي قال إن المصرف الذي يتعامل معه لا دولار فيه، "مساساً بهيبة الدولة المالية". والهيبة، سواءً أكانت مالية أم دستورية أم أمنية... مفقودة أصلاً. والأحداث التي حصلت في الآونة الأخيرة فقط، تدل على غياب الدولة نفسها، فكم بالأحرى هيبتها: فقدان قرار الحرب والسلم، حادثة قبرشمون التي كبح جماحها بيان صدر من سفارة، تقاذف الأطراف المتناحرة بالاتهامات، الاستفراد المتبادل لمسؤولين في السلطة، وكأن المسؤولية تقع على واحد أحد.

وكل ذلك يدلّ على تخبّط أهل الحكم وعجزهم عن التعامل مع أي ملف، لا سيّما الأزمة الاقتصادية التي تُعاد أسبابها إلى وجود اللاجئين السوريين و/أو الفلسطينيين، أو إلى مواطنين يعبّرون عن هواجسهم إزاءها عبر السوشال ميديا، فضلاً عن اتهام وسائل الإعلام بالتسبب في الأزمة. وكان ردّ تلك الوسائل ضعيفاً (كلمات عبر نشرات الأخبار مع قليل من دراما المذيع للإيحاء بجدية الموقف الرافض). وسبب ضعف الردّ حساباتها الخاصة ربما، فهي أيضاً تدور في دوّامة الاصطفافات، ولا ترسو على برّ.

لا تأتي هيبة الدولة من تعميمات تصدرها أرفع المواقع في الدولة وتتضمن مواد قانونية تشرح العقوبات التي تُنزَل بحق "مرتكبي جرائم النيل من مكانة الدولة المالية". فهل تُنزِل الدولة اللبنانية عقوباتها على أشد منتقدي التحضير الفوضوي لاستدرار أموال "سيدر"، وهم الدول المانحة، ومن أبرز المنتقدين الرئيس الفرنسي ماكرون؟ أليس انتقادهم مساساً بهيبة الدولة؟

منذ بداية العام حتى الشهر الحالي، أصبح عدد المستدعَين إلى التحقيق والموقوفين بسبب منشور أو تغريدة، عبر السوشال ميديا، نحو 50 شخصاً، آخرهم سلطان منذر الذي اعتقلته المباحث الجنائية بسبب منشور في "فايسبوك" انتقد فيه العهد وحذفه بعد ساعة من ظهوره.

لا ضرورة لذكر الأسماء لأنها مرشّحة إلى ازدياد في الفترة المقبلة ولأسباب واهية سيتفنّن حائكوها في صوغها. لكن يبدو، من حالتَي منذر وشيباني، أن هدف التعميم إنّما هو التهديد بالملاحقات القضائية لقمع أصوات القلقين على مصائرهم، من دون تثقيل مضمون منشوراتهم، ومدى تأثيرهم في الشارع، من خلال عدد متابعيهم وأصدقائهم الافتراضيين: تغريدة شيباني (545 متابع فقط) كانت مجرّد عرض لأمر حصل معه فحسب.

هيبة الدولة... من التكميل البيروتي إلى القدّور الطرابلسي
كانت "ثورة 1958" تضع أوزارها عندما اختطف الملقّب بـ"التكميل"، وهو من سكان بيروت، ثلاثة مواطنين مسيحيين وقتلهم، ما أدى إلى انتكاسة الهدوء وعودة أجواء الحرب. فتدخّل العميد ريمون إده، وكان وزيراً للداخلية، ومنع العودة إلى التقاتل بمؤازرة الجيش اللبناني.

اعتُقل "التكميل" وصدر حكم بإعدامه، فعارض مسلمون الحكمَ. إلّا أن الحُكم نُفّذ واحتُسب ذلك في مصلحة هيبة الدولة التي يجب أن تحاسب الجميع. لاحقاً، وبدلاً من الاستمرار في هذا النهج، اعتُمد مبدأ "6 و6 مكرر" في التوظيف والمشاريع وتشكيل المنتخبات الرياضية... وحتى في الإعدامات. ووصل الأمر أخيراً الى تعطيل نتائج امتحانات مجلس الخدمة المدنية، بسبب أرجحية المسلمين.

ثم أسس إده ما عُرف بـ"الفرقة 16" في الشرطة. وتخصّصت في قمع التفلّت الأمني، كالتظاهرات والنزاعات المسلحة، وفي تطبيق القوانين والأحكام وضبط المخالفات على أنواعها. وكان جهاز "المكتب الثاني" التابع للجيش أنشئ في 1946.

عمل الجهازان على فرض القانون وتثبيت الأمن الذي تجلّى أكثر في قمع المظاهرات واعتقال "المخلّين بالأمن" و"المشاغبين"، على حد تعريفهما بذلك. كانت الدولة فتيّة وعليها أن تثبت جدارتها في إدارة البلاد. وكان يُتوقع أن تنتقل الهيبة "المعنوية" لا العنفية إلى قطاعات أخرى كالتربية والتعليم والصناعة والزراعة. حصل ذلك إلى حد ما. إلاّ أن الجهازين لم يعيرا انتباهاً لكواليس الفساد.

نعم، كان هناك رجالات دولة نظيفو الأكف سمعتهم طيّبة وعقلاء، لكن على مستوى المؤسسات كان الفساد قائماً. فهيبة الدولة كانت أشبه بـ"جارور مفتوح"، على وصف المرتشي الذي يفتح دُرجَ طاولته لكي يُسقط فيه بخفّة ساحر مبلغ الرشوة. ويروي كبار السن عن إمكان رشوة حاجب ببضع ليرات، لكي يسمح للراشي بلقاء مدير أو رئيس دائرة، وتخليص المعاملات جرى على المنوال نفسه. ومذذاك بدأت الوظائف في مؤسسات الدولة تتحوّل مطمعاً للمواطنين.

وصلت هيبة الدولة إلى أوجها إثر إحباط انقلاب نفّذه القوميون السوريون الاجتماعيون في 1961. ويروى عن امتلاء المدينة الرياضية بالمعتقلين. وفي 1963، قامت تظاهرات اعتراضاً على وصول البعثيين إلى الحكم في العراق، قُمعت هي الأخرى بحجة "الإساءة إلى دولة شقيقة". وهي حجة عادت وتكررت في أيامنا هذه.

وفي التظاهرات التي سارت، المطلبي منها والسياسي، كان يلاحظ أن إشارات السير (المرور) شكّلت الهدف الأول للمتظاهرين في أنحاء البلاد، إذ كانوا يقتلعونها من أساسها، ولعلّ ذلك كان من قبيل الانتقام النفسي من النظام وسطوته. إلاّ أن هذا النوع من الفوضى والتخريب لم يكن مجدياً وخلّف نفوراً في نفوس المواطنين من القضايا على أنواعها.

مع سطوع نجم المقاومة الفلسطينية، ظهرت انقسامات ساهمت لاحقاً في زعزعة الدولة نفسها: قام مناصرون لهذه المقاومة ("الحركة الوطنية") في مقابل مناوئين لها ("الانعزاليون" / "الجبهة اللبنانية"). فأمست الدولة ترزح بين فريقين تتصاعد قوتهما: فريق يشد بها نحو العروبة وآخر بقي متمسّكاً بها بـ"لبنانيتها". وأدى هذا الشد إلى تصدّع الدولة وتهديد هيبتها.
آخر فرصة لفرض الدولة اللبنانية هيبتها كانت في مواجهة "دولة المطلوبين" و"يترأسها" أحمد القدّور، في أحياء طرابلس القديمة، في 1974: مجموعة من الفارين من وجه العدالة استحكم أفرادها داخل الأزقّة الضيقة وشكّلت لنفسها جيشاً صغيراً من المقاتلين العاطلين عن العمل، والمهمشين وأصحاب السوابق. كانت عملية اقتلاعهم صعبة، استمرّت أسابيع. واستطاع قسم منهم الهرب إلى منطقة "وادي جهنّم" قبل القضاء عليهم.

انفجرت الحرب اللبنانية 1975 – 1990 وتفكّكت الدولة ومعها هيبتها، وأمعنت في ذلك الفصائل الفلسطينية مع مناصريها اللبنانيين، وإسرائيل مع عملائها اللبنانيين، والوصاية السورية ومناصريها من اللبنانيين والفلسطينيين، فضلاً عن كل التدخلات الإقليمية والعالمية وقضاياها التي كانت تُحلّ في مسرح لبنان. وراح كل حزب يُنشئ إدارته الذاتية، وكادت الدولة أن تلفظ أنفاسها. المضحك المبكي في تلك الحقبة هو مطالبة الدولة بلعب دورها، بينما الأطراف المنتاحرة تمسك بخناقها وتتقاسم مرافقها الاقتصادية، وأبرزها المعابر والمرافئ والمطار... ويُلقى الفتات إلى الدولة.

بلى، بلى، ظلت الهيبة تذكّر اللبنانيين بنفسها، خلال تلك الحرب، متجلّية بمداهمات لبسطات البضائع العائدة لصغار المسترزقين المعتّرين، وهجوم عناصر الشرطة وتكسير العربات ورمي ما عليها أرضاً.

ثم، وكطائر الفينيق الذي يقوم من تحت الرماد، عادت الدولة من جديد، يديرها هذه المرة أمراء الحرب أنفسهم مع أصحاب الرساميل والنفوذ... وها هم اليوم كلهم يخافون من كلام، لن يترجم إلى فعل، يطلقه أفراد مغلوبون عبر السوشال ميديا!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

زكي محفوض

زكي محفوض

صحافي لبناني