آخر تحديث:19:44(بيروت)
الجمعة 04/10/2019
share

هذا العهد يريد إخراسنا!

نور الهاشم | الجمعة 04/10/2019
شارك المقال :
هذا العهد يريد إخراسنا! محاولات التدجين تبدأ بالقوانين ولا تنتهي ببيان نقابة المحررين الملتبس
النكتة التي انتشرت، منذ مساء الخميس في مجموعات "واتسآب"، حول سعر صرف الدولار في "أو تي في"، لا تسخر من القفز الدعائي فوق المنطق، بقدر ما تعلن عن أن جزءاً من الحرية التي يتباهى بها لبنان، دخل غرفة الانعاش. أما الجزء المتعلق بالرد على هواجس اللبنانيين، فبات عرضة للإنكار والتعالي.

والفشل اللبناني في حلّ الأزمة، معطوف أيضاً على فشل في استيعاب هواجس الناس، والتمعّن فيها. أثبتت الأزمة المالية والاقتصادية والنقدية التي يعانيها لبنان أن القدرة على الحل، تكاد تكون معدومة لولا ضغط دولي لتنفيذ اصلاحات يعد المسؤولون بها لاحتواء الضغوط الغربية في هذا الاتجاه. 

بينما الفشل في استيعاب الناس، لا ينم عن تعالٍ فحسب في التعاطي مع مخاوف حقيقية، تنامت إثر ارتفاع سعر صرف الدولار حتى كتابة هذه السطور، وتصل الى 1590 ليرة للدولار الواحد. وعوضاً عن تلقف المخاوف، وإعلان الحصول على علم وخبر عنها، ومعالجتها في الأطر الرقابية والقضائية، استخدم القانون لتخويف الناس، ولردعهم عن البوح، ولكتم أنفاسهم، حتى خرجت النكات لتسخر من هذه الآلية التي تقود، في احدى جوانبها، لاعتقاد بأن لبنان عرضة لأن يُحكم كما مصر، بقبضة الدعاية والمواد القانونية الرادعة، والأمن. 

والمواد القانونية المُشار اليها، هي مواد خرجت يوم الاثنين، بتعميم صادر عن رئاسة الجمهورية، حدد العقوبات التي تنزل بمرتكبي جرائم النيل من مكانة الدولة المالية. وصادق رئيس الحكومة سعد الحريري على التعميم، أمس، على نية مكافحة الشائعات ومواجهة أخبار تمس بالأمن المالي، حيث دعا إلى فرض غرامات مالية على كل من يتناقل إشاعات وأخباراً مغلوطة من شأنها أن تسيء للدولة أو الرئيس أو المال العام.

لكن التجربة التنفيذية لتنفيذ القانون، ظهرت على أنها هشّة ومضللة. فالقانون المذكور، يفترض أنه يطاول مروجي الشائعات، كونه يتحدث عن "ناشري وقائع ملفقة او مزاعم كاذبة لإحداث التدني في أوراق النقد الوطنية أو لزعزعة الثقة في متانة نقد الدولة وسنداتها وجميع الإسناد ذات العلاقة بالثقة المالية العامة". غير أنه بتطبيقه، طاول موصّفي الحال. ذهب الزميل عامر شيباني الى المصرف ولم يجد فيه دولارات، فأعلن عن ذلك. فهل تمت مساءلة المصرف عن ذلك؟ هل استقصت الدولة عن فقدان العملة الصعبة من المصارف؟ 

لم يخرج أي خبر يثبت استقصاء الأجهزة الرقابية في الدولة عن عدم توفر الدولار في المصرف. عوضاً عن ذلك، تمت مساءلة شيباني، لإعلانه عن حادثة لم يفتعلها. 

على أن الاستدعاء هنا بغرض المساءلة، يظهر هشاشة دولة تدعي القوة، فلم تظهر هذه القوة في حل الأزمات المالية، بقدر ما استُخدمت لإسكات المعلنين. فهل تخاف الدولة رواد "فايسبوك" الذي وثقوا تجاربهم للتدليل على أزمة؟ لماذا لم يؤخذ المعترضون على دفع بدل فاتورة الهاتف الخلوي بالدولار، المنحسر أصلاً من الاسواق، قبل أن يتحرك وزير الاقتصاد يوم أمس لخميس في جلسة مجلس الوزراء، طالباً من وزارة الاتصالات تغيير التداول القائم؟ 

والأسئلة هنا، ليست بغرض التشكيك في جهود تُبذل لحل المعضلات الاقتصادية، أو التشويش عليها، بل الاعتراض على استنسابية في الاستدعاءات، تلك المرفوضة، أصولاً ومبدئياً، منعاً لتدجين الناس، وسجن أصواتهم. وهي ممارسات، ولو أنها لا تلقى اعتراضاً من الكثير من النواب تحت القبة البرلمانية الذين يفترض أنهم حماة الديموقراطية في لبنان، ودعائم الاصلاح، إلا أنها مرفوضة بلسان بعض أهل السلطة، ولو أنهم قلة، مثل الوزيرة مي شدياق والنائب بلال عبد الله وغيرهما من رافضي القفز فوق الأزمة لتحويل الناس وأصواتهم الى كبش فداء. 

والحال ان الخطر المترتب على الحريات، لا يقتصر على احياء قوانين غبّ الطلب، بل يطاول التدجين القائم في الكيانات المفترض أنها رأس حربة للدفاع عن الحريات. فبيان نقابة محرري الصحافة اليوم، ينطوي على خطرين. أولهما، تقاذف المسؤوليات والتحريض على ناشطي مواقع التواصل، بالقول انه "لا ذنب للإعلام المكتوب والمرئي والمسموع والإلكتروني اذا كانت وسائل التواصل الإجتماعي، أو بعضها على الأقل، يسهم في إشاعة مناخات لا تخدم الصالح العام، في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان". والخطر الثاني، دعوة الصحافة بشكل ملطف لأن تكون لسان حال السلطة التي تكافح الحديث عن الأزمة، وهو ما يُفهم من عبارة "تدعو الزملاء في أي موقع كانوا إلى وعي مسؤوليتهم التاريخية في هذا الظرف الخطير، والإنكباب على أداء دورهم الوطني بروح هذه المسؤولية"، من غير أن تُصطحب العبارة بأي توضيحات عن آليات تنفيذية لوعي المسؤولية التاريخية. 

ويُسأل هنا عما إذا كانت إشارة مضمرة للنأي بالنفس عن الترويج لهواجس الناس، والاعتماد على تصريحات المسؤولين كبديل ينم عن المسؤولية؟ مع معرفة النقابة بأن دور الصحافة، في الأزمات الوطنية، هو الأكثر تاثيراً للضغط على السلطة للمضي في الإصلاحات واستيعاب الأزمات، ولها في تجربة الصحافة في الولايات المتحدة في الأزمة الاقتصادية في 2008، خير مثال. 

أمام الضبابية القائمة، وانفلاش الهواجس، لا بدّ من مبدد للمخاوف المتنامية من أن يكون اللبناني بات محشوراً بين خيارين: الغرق في الأزمة والرضى بها، أو تخويفه بالاستدعاءات بغرض تدجينه، وهما خياران أحلاهما مرّ يضع الديموقراطية اللبنانية على محك الاستنسابيات، ويطرح مخاوف حقيقية من تحويل المسار الديموقراطي اللبناني باتجاه التجربة المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. وأول إشاراتها المقطع الصوتي المتداول في "واتسآب"، الداعي لصرف الدولار في قناة "او تي في" (العَونية) بسعر 1400 ليرة للدولار الواحد... و"على نزول"!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها