آخر تحديث:18:43(بيروت)
الخميس 03/10/2019
share

اغتيال خاشقجي.. أو كيف تفلت بجريمة قتل

وليد بركسية | الخميس 03/10/2019
شارك المقال :
اغتيال خاشقجي.. أو كيف تفلت بجريمة قتل
في السلسلة التلفزيونية الأميركية "How to get away with murder"، تعطي المحامية أناليس كيتنغ التي تجسدها باقتدار الممثلة فيولا دايفز، دروساً في التحايل على النظام القانوني، للإفلات من العقاب بخصوص سلسلة جرائم قتل غامضة. وفيما يتهم المسلسل بأنه غير واقعي  ويغرق في الخيال، من منطلق رومانسي يتوهم أن العدالة تتحقق دائماً، فإن الواقع نفسه أثبت مجدداً أنه يتفوق على أكثر خيالات البشر شططاً، عبر قضية الصحافي جمال خاشقجي، الذي مازال المسؤولون عن اغتياله العام الماضي، بعيدين عن أي مساءلة.


عام كامل مر على الجريمة التي أحدثت هزة ارتدادية لافتة في منطقة معتادة على الوحشية، مثل الشرق الأوسط، حيث تحول مقتل الناس بشكل جماعي على أيدي الأنظمة الحاكمة إلى أمر روتيني. والأكثر وحشية ربما هو استخدام أولئك الضحايا، الذين لا يشكك أحد في مدى أهمية قضاياهم، من قبل شخصيات تدافع عن السعودية، لخلق نظرية مؤامرة تبرئ زعماء المملكة، بحجة أن جريمة خاشقجي كانت مجرد جريمة فردية لا تستحق كل الاهتمام الإعلامي والدبلوماسي والشعبي الذي حظيت به.

ومن المؤسف فعلاً الوصول إلى مرحلة تستوجب الكتابة والجدل حول الفرق بين الاغتيال السياسي وجرائم القتل الجماعي وجرائم الحرب، ومن المؤسف أيضاً التقليل من شأن موت إنسان واحد لمجرد أن الآلاف غيره يموتون. ومن المخزي فعلاً المفاضلة بهذه الطريقة بين أقل المجرمين سوءاً في المنطقة العربية بحثاً عن "الديكتاتور المفضل"، بدل البحث عن ما هو أفضل لشعوبها. ولعل المضحك المبكي هنا، أن من يتم الدفاع عنهم وتلميع صورتهم، هم نفسهم المسؤولون عن جرائم قتل جماعية، في اليمن مثلاً.

ومثلما هو الحال في المسلسل، فإن المجرمين عن قضية خاشقجي، مكشوفون أمام الرأي العام/الجمهور. فمنذ اللحظة الأولى أشارت أصابع الاتهام إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة، لأن الجريمة على الأقل لم تكن لتحدث من دون علمه، إن لم تكن بأوامر مباشرة منه. وهو ما أكدته بدرجة عالية من الثقة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" ثم تحقيق مستقل لخبيرة الأمم المتحدة المعنية بجرائم الإعدام خارج نطاق القانون، أغنيس كالامار، علماً أنه لم يُعثر بعد على أثر لجثة خاشقجي الذي يعتقد أنه مُزق إلى أشلاء بعد قتله، وكأن المسألة برمتها سطر في رواية لأغاثا كريستي: "لا جثة.. إذاً لا جريمة".

بحث السعودية عن سردية للإفلات من العقاب، بدأ منذ اليوم الذي دخل فيه خاشقجي إلى مبنى القنصلية السعودية في اسطنبول وانقطاع أخباره. حيث نفت السعودية على لسان بن سلمان في مقابلة نشرت بتاريخ 5 تشرين الاول/أكتوبر 2018، وجود خاشقجي من الأساس داخل القنصلية. قبل أن تصف الرياض الأنباء عن مقتله في القنصلية بأنها "مزاعم لا أساس لها"، ثم تغيرت الرواية الرسمية نحو مقتل خاشقجي بالخطأ إثر اندلاع شجار، لتبدأ حملة تبرئة بن سلمان من الجريمة في 20 تشرين الأول/أكتوبر بالقول أنه "لم يكن على علم بالحادثة"، فيما انطلقت لاحقاً محاكمة تقول منظمات أممية وحقوقية مستقلة أنها غير عادلة، بحق 11 متهماً بالجريمة، لم يتم الكشف عن هويتهم.

وإن كانت هنالك خلاصة لكل القضية، فهي أن تنفيذ جريمة كاملة، يتطلب توقيتاً مثالياً، لأن كل ما سبق لم يكن ليحدث، على الأغلب، لولا وجود رئيس مثل دونالد ترامب في البيت الأبيض، الذي دافع مراراً وتكراراً عن بن سلمان، من منطلق حيوية العلاقات الأميركية السعودية، للاقتصاد العالمي، والأميركي بوجه خاص. وهي علاقة باتت موضع تشكيك خبراء وباحثين وصحافيين وسياسيين وأعضاء في الكونغرس طوال العام الماضي، انطلاقاً من الجريمة التي كانت أكثر تجليات ابتعاد السعودية عن القيم المفترضة في واشنطن، فجاجة. والحديث هنا يدور حول قيم الديموقراطية والإنسانية وحرية التعبير التي لا يحترمها ترامب، وتبدو في تراجع مخيف، عالمياً، منذ وصوله إلى البيت الأبيض العام 2016، إثر حملة انتخابية ديماغوجية، أتبعها بسنوات من عداء غير مسبوق للصحافة التي وصفها يومها بأنها "عدو الشعب"، على الطريقة الشيوعية.

والحال أن إفلات المسؤولين السعوديين من العدالة في قضية خاشقجي، يؤسس لسنوات مقبلة من القمع ضد الصحافيين والمعارضين، ليس فقط في السعودية أو العالم العربي، بل في أنحاء العالم. وتتزايد المخاوف من نشوء نمط لهذه السلوكيات من قبل الأنظمة الشمولية حول العالم، من نظام الأسد في سوريا إلى نظام كيم جونغ أون في كوريا الشمالية، والتي باتت تتعاون في ما بينها، وتتعلم من تجارب بعضها، في تحدي القيم الإنسانية المتحضرة. وفيما كانت تلك الأنظمة تقوم بعمليات استهداف للمعارضين خارج حدودها، طوال عقود، إلا أن تلك القضايا كانت تبقى غامضة وبعيدة من المباشرة والوحشية التي تمت فيها جريمة خاشقجي، التي نفذت بوقاحة في مبنى دبلوماسي، وخطط لها مسبقاً كما هو واضح، بدم بارد.

ومع استمرار العدالة غائبة عن قضية خاشقجي، الذي كان في أحد الأيام جزءاً من السيستم السعودي نفسه، فإن سمعة السعودية التي تزعم تقديم إصلاحات اجتماعية غير مسبوقة تخفف من السلطة الدينية التقليدية فيها، تشوهت أكثر من السابق، وتحولت معها من مملكة تعيش في القرون الوسطى إلى دولة تمارس إرهاباً منظماً بوتيرة هستيرية: من اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، إلى قصف آلاف المدنيين في اليمن، إلى قضية "ريتز كارلتون"، وصولاً لاعتقال وتعذيب الناشطات النسويات البارزات. وحتى لو بقيت تلك العدالة غائبة، فإن أثر الجريمة سيبقى مستمراً، على الأقل عند الحديث عن بن سلمان، كرجل قدم نفسه قبل سنوات كمُصلح حداثي، وانتهى به الحال كحاكمٍ ختم خلافه مع صحافي ناقد بمنشار عظام.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها