آخر تحديث:19:39(بيروت)
الإثنين 28/10/2019
share

النظام يبحث عن الشرعية: مقتل البغدادي ليس نهاية الإرهاب

وليد بركسية | الإثنين 28/10/2019
شارك المقال :
النظام يبحث عن الشرعية: مقتل البغدادي ليس نهاية الإرهاب
"طويت صفحة البغدادي لكن الأميركي لن يتأخر حتى ينتعل وجهاً إرهابياً جديداً"، هي العبارة التي اختتمت بها المذيعة في قناة "الإخبارية السورية" الرسمية، ربا الحجلي، حديثها عن مقتل زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي، في ختام حلقة برنامجها "فن الممكن"، ملخصة الخطاب الرسمي الذي يربط الإرهاب المنتشر في المنطقة، بوكالات الاستخبارات الأميركية، من دون حقائق أو وثائق أو حتى جدال عقلاني، بل بالاستناد فقط إلى مقاربات خيالية تستند كما هو معتاد على "تحليل عقل الكوبوي" أو ما شابهها من العبارات الكوميدية.


ومنذ لحظة إعلان مقتل البغدادي، الأحد، في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، اعتمد الإعلام الرسمي فكرة موحدة هي "سياسة إغلاق الملفات" والتي يقصد بها أن الولايات المتحدة تحاول إنهاء القضايا التي أوجدتها في المنطقة بالتزامن مع انسحابها منها، وأنها تريد غسل عار تنظيم "داعش" عن سمعتها "لأن كل العالم بات يعرف أن داعش هو تنظيم أميركي". ولا يعني ذلك تصديق الإعلام الرسمي لذلك الإعلان تماماً، بقدر تقديمه شكوكاً بشأنه، بالقول أنه ربما تم نقل البغدادي إلى مكان آمن فقط، مثلما حصل مع زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن سابقاً، وصولاً للاستهزاء به لأنه "أتى متأخراً" مع الإشارة لبطولات جيش النظام في مكافحة "الإرهاب".

ومن المسلي متابعة كيف يوصف تنظيم "داعش" بأنه فيلم أميركي طويل مدته 15 عاماً منذ العام 2004 عندما اعتقل البغدادي في العراق، حيث تم تجنيده وإعداده من قبل واشنطن من أجل خلق تنظيم إرهابي لاحقاً. والطريقة المفصلة التي أوضحتها "الإخبارية" لجمهورها هنا، تصلح بحد ذاتها لأنو تكون فكرة لفيلم "ديستوبيا" هزيل من إخراج نجدة أنزور، وفيها سجنت الولايات المتحدة العراقيين من الطائفة السنية وعذبتهم من أجل خلق غضب داخلي وشعور بالقهر لديهم، قبل تزويدهم بالنشرات الجهادية الأتية من أفغانستان لخلق توتر طائفي يؤدي بالنهاية لتوليد تنظيم "إرهابي" يخدم المخطط الصهيوأميركي!


والحال أن هذه النوعية من الخطاب الدعائي، باتت كلاسيكية في إعلام النظام السوري، ويمكن تلمسها منذ انطلاقة الثورة السورية التي وصفت بأنها جزء من مخطط استخباراتي ضد سوريا، ويمكن تذكر تقرير لافت قدمته قناة "سما" شبه الرسمية العام 2017 بعنوان "الولايات المتحدة الداعشية"، اتهمت فيه واشنطن بصناعة تنظيم "داعش" أيضاً. ولا يعتبر كل ذلك عبثياً، بل هو جزء من جهود متسقة لتكذيب الاتهامات التي يقدمها معارضون سوريون ووسائل إعلام كبرى ومراكز أبحاث عالمية، والتي تربط بين التنظيمات الإرهابية المختلفة، ونظام بشار الأسد.

وتركز تلك الاتهامات الموثقة على الدور الجوهري الذي لعبه النظام السوري في تمدد "داعش" الناشئ حديثاً، عندما أطلق أعداداً كبيرة من الجهاديين المتطرفين من سجونه في عفو رئاسي مثير للشكوك العام 2011 كان هدفه حينها "أسلمة الثورة السلمية"، حيث انضم قسم كبير من أولئك المتطرفين لصفوف "داعش"، مقابل تأسيس أخرين تنظيمات جهادية مختلفة تحالفت أو تصارعت مع "داعش" بعد إعلانه الخلافة، مثل "جبهة النصرة" كفرع لـ"القاعدة" في البلاد. كما تركز العديد من الدراسات على الدور الذي لعبه النظام السوري في تغذية الجماعات الجهادية في العراق بالمتطرفين بعد الغزو الأميركي العام 2003.

وعبر هذا الأسلوب من الهروب إلى الأمام، يدافع النظام السوري عن نفسه بشراسة أقرب للطيش، عبر تصدير إعلامه للاتهامات الموجهة إليه نحو طرف ثالث يعتبره عدواً يوازي الشر الأكبر أيديولوجياً، ومسؤولاً عن كافة الشرور والجرائم والاضطرابات والمشاكل حول الكوكب وخلال التاريخ أيضاً، وذلك ليس إلا أسلوب تعميم تقليدي في بناء خطاب البروباغندا. يتم تدعيمه بوجهات نظر، محرفة أو حقيقية، من داخل النظام المستهدف، أي الولايات المتحدة، عبر نقل شهادات مسؤوليون أميركيين و"خبراء" غربيين لا تتم تسميتهم أصلاً، أو بالاستناد إلى وثائق "مسربة" لا يتم الكشف عن ماهيتها توازياً.

وتجب الإشارة إلى أن الجدل حول مصدر الإرهاب الداعشي، تجدد في مواقع التواصل الاجتماعي، بعد الإعلان عن مقتل البغدادي، وكان هنالك تياران بارزان ضمن الخطاب الموالي للنظام، الأول يكرر رواية الخطاب الرسمي السابقة والتي تتهم الولايات المتحدة أو "الغرب السفيه الفاجر" بتصنيع الإرهاب، والثانية تحدثت فقط عن إسلاموية الإرهاب في سياق طائفي لا يصل لمستوى النقاش العقلاني لفكرة جذور العنف في الدين الإسلامي نفسه. وكان هنالك تغييب واضح للأسباب الأكثر منطقية لنشأة الإرهاب في المنطقة، والتي ترتبط بمظالم سياسية واجتماعية أدت لخلق بيئة خصبة للتطرف تعززها طريقة الحكم الشمولية في المنطقة، وتحديداً في سوريا والعراق التي نشأ فيهما تنظيم "داعش".

ولعل الثابت الوحيد في هذه المعادلة ككل، أن التنظيم نفسه لم يكن صناعة من أي أحد بما في ذلك النظام نفسه على الأغلب، بل كان ظهوره في العراق لا في سوريا، نتيجة للتوترات الطائفية في العراق بين الأغلبية الشيعية والأقليات السنية والكردية، وخصوصاً بسبب التمييز ضد السنة من قبل حكومة بغداد التي يقودها سياسيون تابعون لإيران مع سطوة الميليشيات على المشهد السياسي هناك، حسب دراسة لـ"معهد دراسات الحرب" في واشنطن، إضافة للفراغ الذي حدث في العراق بعد الانهيارات المتتالية لتنظيم "القاعدة" عموماً بعد مقتل زعيمها أسامة بن لادن.



ومع عدم وجود حل سياسي يحقق الاستقرار الحقيقي في دول الشرق الأوسط، فإن مشكلة الإرهاب ستبقى مستمرة في المستقبل مع مخاوف من قدرة "داعش" على بناء نفسه بسرعة، حتى بعد مقتل البغدادي، لأن "داعش" أحدث خرقاً في طريقة تعامله مع قادته، بعكس تنظيم "القاعدة" الذي بنى كيانه كاملاً حول شخصية أسامة بن لادن  كقائد ميداني وزعيم أيديولوجي/ديني في وقت واحد. وربما يعود ذلك لأن "داعش" خرج من كونه مجرد تنظيم متشدد يقاتل من أجل إقامة "دولة إسلامية"، إلى إقامة تلك الدولة على مساحات شاسعة أسقطت حدود اتفاقية "سايكس بيكو" فعلاً، ولو لفترة قصيرة.

ولن يؤدي مقتل البغدادي إلى تغيير في دعاية "داعش" التي تنتشر عبر تطبيقات التواصل وزوايا الإنترنت المظلمة، بعكس حالة دعاية تنظيم "القاعدة" بعد مقتل بن لادن، حيث تتناقض مكانة الأول، ضمن حركة الجهاد العالمية، مع دور الثاني. والدليل على ذلك أن البغدادي طوال فترة بروز "داعش" لم يدل سوى بملاحظات عامة قليلة، منها فيديو إعلان الخلافة في الموصل، بعكس الوجود المكثف لبن لادن في دعاية "القاعدة" منذ نشأتها وحتى اليوم. أي أن ما جذب العديد من الأجانب والمحليين إلى "داعش" كانت دعاية التنظيم غير المسبوقة وحساباته الناشطة عبر وسائل الاعلام الاجتماعية التي يديرها مقاتلو التنظيم أنفسهم، وهو ما يكرره باحثون متخصصون في الشؤون الجهادية، مثل أوتسو إيهو من مركز "آي إتش إس جين للإرهاب والتمرد"، و تشارلي وينتر وهو باحث بارز متخصص في دراسة دعاية "داعش" في مركز لندن الدولي لدراسة التطرف، منذ سنوات.

وبالطبع لم يناقش إعلام النظام كل ذلك، بل اكتفى بعرض تاريخي لقادة التنظيمات الإرهابية، مع القول أن كل رئيس أميركي يقوم بقتل القائد الإرهابي السابق الذي صنعه سلفه ويقوم بدوره بصنع إرهابي بارز جديد، من أجل الحفاظ على الدور الأميركي في المنطقة عبر "إعادة توليد العدو". ويتم تصوير النظام وحلفائه هنا، كمحور يقاتل ذلك الشر من أجل العدالة والأمان، لتحصيل مزيد من الشرعية المفقودة أمام جمهور الممانعة المحلي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها