آخر تحديث:11:48(بيروت)
الأحد 27/10/2019
share

صار بإمكاننا قَول "نحن"

رولا الحسين | الأحد 27/10/2019
شارك المقال :
صار بإمكاننا قَول "نحن" اعتصام رياض الصلح (مصطفى جمال الدين)
كيف تكتب عن لحظة ظننت أنها لن تأتي؟ عن مشهد ظننت أنك لن تراه؟ ودموع ظننت أنك لن تذرفها؟ كيف تتعامل مع مشاعر تطفو على صوتك وعينيك وابتسامتك من دون استدعاء؟ بأي صوت ستشارك العصافير التي تغني في صدرك وأنت ترى وتسمع أهلك وجيرانك وأصحابك ومعارفك ورفاق المقهى وندماء الكأس والخائبين والغاضبين والطفار والبائسين والمهاجرين والملعونين والمهمَّشين والخائفين والقلقين والتائهين، يهتفون، ويحفرون لاستخراج الحياة مجدّدًا، حياتهم. 

نحن اللبنانيون -أصبح بإمكاننا أن نستخدم كلمة "نحن" - في كلِّ مكان نتجرع الآن كل هذا دفعة واحدة. نفتح له أفواهنا وأعيننا وآذاننا. نفتح له أذرعنا ونحضنه ونشدُّ عليه. نبكي ونضحك له ومعه. فكل ما نتفوّه به موسيقى، وكل ما نسمعه غناء وكل ما نراه جميل وكل ما نشعر به حبّْ. منذ اليوم الأول لـ#ثورة_17_تشرين رأينا الغبار يتطاير شيئًا فشيئًا عن مفردات أقفلنا عليها منذ زمن في أعمق مكان من ذاكرتنا، تمامًا حيث وضعنا الأمل والخريطة والعلم والنشيد والأغاني الوطنية في خانة "الكليشيه" التي كانت تثير اشمئزازنا لِبعدنا عنها كبعد الوطن عنَّا.

بعضنا يعيش هذه الثورة من بُعد، من حيث قذفه الوطن مبكرًا ولم يسترجعه إلا كسائح أو ضيف لشحذ أصدقاء وذاكرة، ولتمنِّي مراكمة ذاكرة قد تصبح مشتركة وبديلة عن ذاكرة الملجأ وأصوات الفزع والاكتئاب والقرف والخيبة. بعضنا يعيش هذه الثورة من خلف شاشات كثيرة في آنٍ معًا ويرسل قلوباً حُمر كثيرة وابتسامات تكاد تخزق الأفواه على اتساعها، ومن خلف هذه الشاشات نخاف على بعضنا. 

ننظر في الوجوه، نعرف كل الوجوه. هي وجوهنا. وتلك الدموع فرحتنا، وتلك أجسادنا تقفل الطرق، وتقف متراسًا لحماية أجساد أخرى، وتحضن وتعانق وترقص... وهذه أغنياتنا، وذاك صوتي.

نحن الآن نلتقي الوطن للمرة الأولى، ونشعر بانتمائنا للمرة الأولى. من دون خوف من المستقبل ومن دون خجل من التفاؤل، ومن دون تنكّر للسذاجة. نحن الآن نعيش طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا كلها، بالزمن نفسه، زمن الثورة. 

نتعرف للمرة الأولى على مدننا وقرانا، على ساحاتنا الكبيرة. ونوقن للمرة الأولى أن في كلٍّ منها، لنا بيت وصديق ورفيق ثورة ودرب وحياة. ونعتذر علنًا وطواعية عن جهلنا بها وغربتنا عنها. ونعلن عن شوقٍ مزمن لها ولأهلها. الآن سقطت خطوط تماس الحرب الأهلية، وسقط اتفاق الطائف، وسقط الخوف المعشّش في القلوب والنظرات، وسقط مع هذه الثورة الحياء المنافق. سقطت كل الأسماء والمقامات والمواعظ، واكسسوارات المراحل السابقة وأصنامها.

الآن سقط المغني وبقيت الأغنية. وأغنية اليوم ليست أغنية البارحة، هي الأغنية التي استدعت الثورة. الأغنية التي ثارت قبلنا وأخبرتنا مسبقًأ أننا كنا كلنا طفار ولم يكن لنا وطن. 
أمهاتنا الآن لا يخفن علينا من الشارع، أمهاتنا معنا في الشارع. كلنا أولاد شارع، والشارع الآن هو مدرستنا ونحن المعلمات والمعلمين. 

والموتى الآن، موتانا، تصلهم أصواتنا الراعدة كل النهار. وعندما نتعب وننام، قبل بدء يوم جديد، يقتربون من أسرّتنا، يغطوننا، يطبعون قُبلًا بين عيوننا، ويهمسون في آذاننا: غدًا أيضًا سنكون معكم في يوم ثورة آخر، إنها ثورتنا أيضًا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رولا الحسين

رولا الحسين

روائية ورسامة لبنانية