آخر تحديث:12:25(بيروت)
الأربعاء 16/10/2019
share

مبارك "التريند"

أحمد ناجي | الأربعاء 16/10/2019
شارك المقال :
مبارك "التريند" بعد ان تحرر من التزامات رئيس الجمهورية، يذكر مبارك اسم سعد الشاذلي صراحة للمرة الأولى (غيتي)
لم تمر ساعات قليلة على رفع فيديو حسني مبارك الأخير في قناته التي حملت اسم "أرشيف مبارك"، حتى تجاوز عدد مشاهداته المئة ألف، وعشرات الآلاف الأخرى في القنوات التى تسابقت لإعادة بث الفيديو، والطريف أن معظمها "قنوات إخوان".
مشهد دال جداً على الوضع المزري للإعلام المصري، فرئيس سابق بحجم مبارك يقرر أن يتحدث فلا يجد قناة تلفزيونية يخاطبها، أو ربما لا يثق في أي من القنوات المتواجدة في الساحة، أو ربما لم تجد أي قناة فائدة من إعادة بث حديث مكرر عن بطولات حرب أكتوبر. 

لا يمكن أن نعرف أبداً الحقيقة.. من سمح لمبارك بالحديث؟ ولماذا سُمح له بالحديث في "يوتيوب"؟ ولماذا يتحدث مبارك الآن؟ في مناخ من الرقابة والخوف والسيطرة الكاملة على الإعلام لا نجد ما يمكن قوله سوى التخمين، والإفراط في التأويل وتحليل الإشارات.


تمثل حرب 6 أكتوبر، لحظة المجد الكبرى لمبارك، بل هي لحظة الشرعية التي حكم بها رئيساً لأكثر من ثلاثين عاماً.
يظهر مبارك في الفيديو المصور بأسلوب هواة يريد أن يبدو محترفاً، فالكاميرا في وضع صحيح، لكن الصوت غير واضح. هناك تكييف في الخلفية، وهناك جهد مبذول في المونتاج. يبدأ الفيديو بأغنية عمرو دياب "اللي ضحى" وهو أمر قد يعرض الفيديو للحذف من "يوتيوب" إذا قرر عمرو دياب أن الفيديو ينتهك حقوق الملكية الفكرية لأغنيته.

تظهر الأغنية في الخلفية في بعض الأجزاء في محاولة لإضفاء طابع فني على الفيديوهات. يتقاطع صوت مبارك مع بعض الصور واللقطات المصورة التي توثق الأحداث التي يتحدث عنها. هناك إذن فريق بسيط من الهواة خلف الفيديو، وربما لا يعدو الأمر أفراداً من العائلة مثل هاوي التصوير الفوتوغرافي جمال مبارك، أو أي من الأحفاد عفاريت الكمبيوتر والانترنت.

يظهر مبارك بلا صبغة الشعر، لم نره كثيراً بالشعر الأبيض. لكن بالتأكيد هناك أثر للماكياج لإخفاء الهالات السوداء حول العينين، وإضفاء الطابع البراق لبشرة الوجه التى ظهرت مشدودة. غير ذلك لا جديد في حديث مبارك، الرجل ليس لديه إلا الرواية ذاتها يكررها دائماً.

طوال فترة حكم مبارك وفي كل عام في شهر أكتوبر، كان يكرر الرواية نفسها عن حرب أكتوبر، جميعنا تشرّبنا هذه الرواية. فهو كان في الجو في طلعة تدريبية حينما بدأ القصف في العام 1967. ضُرب المطار، ولم يعرف أين يهرب، فطار حتى الأقصر، ثم قُصفت طائراتهم في المطار. ركبوا القطار حتى بني سويف.

في ذلك الجزء دائماً يدين مبارك في حديثه القيادات في ذلك الوقت، سواء عبد الناصر أو حتى بقية قيادات الجيش. يتحدث عن غياب الاستعدادات والخطط، لا يصف 67 بالحرب، بل الكارثة. يكرر أن الشعب فقَد ثقته في الجيش، أحياناً يتحدث عن سخرية الشعب من رجال الجيش، وبالتالي كان هذا محركاً لهم للاستعداد للمعركة.

يبث مبارك الرواية ذاتها، بقِيمها المشوهة عن حرب أكتوبر، بصفتها انتصاراً للجيش واستعادته لثقة الشعب، بينما الحقيقة أن الجيش الذي حقق نصر 73 هو جيش الشعب، مليون مدني تم تجنيدهم وأصبحوا ضباطاً، وأفنوا سنوات شبابهم استعداداً لهذه الحرب، وفي النهاية خرجوا بنجمات نحاسية على صدورهم.

لا يذكر مبارك ولا أي من القادة هذه الأمور، فالحرب بالنسبة إليهم، كما يرويها مبارك، اجتماعات متبادلة، وإجازات للراحة في مطروح استعداداً للمعركة، وخناقات على أوهام المجد. 

في هذا الفيديو وقد تحرر من التزامات رئيس الجمهورية، يذكر مبارك اسم سعد الشاذلي صراحة للمرة الأولى، ورغم أنه سبق وذكر هذه الحكاية من دون أسماء، لكنه هذه المرة تحدث عن الخلاف الذي وقع بين سعد الشاذلي من جهة، والسادات ومبارك وبقية القادة من جهة ثانية. في أثناء المعركة حينما ظهرت مشكلة الثغرة، أراد الشاذلي سحب جزء من القوات للمناورة وتحرير الحصار حول وحدات مصر، وهو ما عارضه مبارك والسادات. لا ينفعل مبارك في الفيديو إلا حينما يهاجم اقتراح الشاذلي، بكلماته "الانسحاب.. هتبقى كارثة، هتبقى مصيبة.. وهنتحاكم كلنا، ومحدش عارف مصيرنا هيكون أيه".

حتى في قلب المعركة، لا يخاف مبارك إلا من أن يؤدي الخطأ الوظيفي لمحاكمته. عقلية موظف في لباس عسكري، لذا يختم مبارك الفيديو متذكراً لحظة تكريمية في مجلس الشعب. يفرح الموظف بأي ترقية بالتأكيد.

لا جديد في فيديو مبارك، سوى إعادة فتح الجدل القديم: هل كان السادات على حق، أم الشاذلي على حق؟ وأيهما نصدق روايته؟ مبارك أم الشاذلي؟  

يترافق الفيديو الجديد مع الانتشار الإعلامى لعلاء مبارك، ومناوشاته في "تويتر". وكون الفيديو تم رفعه في قناة بعنوان "أرشيف مبارك"، فهذه إشارة إلى فيديوهات أخرى آتية. فربما يظهر مبارك قريباً في فيديو، في مناسبة تحرير سيناء، ليتحدث عن رفعه العلم على طابا، وربما فيديو عن كامب ديفيد، وآخر في ذكرى ثورة يوليو. بالطبع لن يكون هناك فيديو عن ذكرياته عن ثورة يناير لأنه، كما قال في محاكمته، يحتاج لاستئذان الرئاسة والقيادة العامة للجيش، لكن ربما يتجلى في فيديو آخر بمناسبة المولد النبوي، أو اليوم العالمي للتوعية بسرطان البروستات. 

مثل ابنه علاء، قد نرى في المستقبل عودة للتواجد الإعلامي اللزج لعائلة الرئيس المخلوع، لكن الرجل الذي دشن عصر السماوات المفتوحة وإعلام القنوات الفضائية، يعود اليوم عبر "يوتيوب" والشبكات الاجتماعية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها