آخر تحديث:18:59(بيروت)
الأربعاء 09/01/2019
share

رهف القنون.. هزّة ارتدادية لزلزال خاشقجي

بتول خليل | الأربعاء 09/01/2019
شارك المقال :
  • 0

رهف القنون.. هزّة ارتدادية لزلزال خاشقجي
"أحاول أن أنجو فقط". أربع كلمات كتبتها الفتاة السعودية، رهف محمد القنون، البالغة من العمر 18 عاماً، للتعريف عن نفسها في حسابها في "تويتر"، كانت أكثر من كافية لتحدث زلزالاً في العالم الافتراضي، بكل ما تعنيه الكلمة. فمن خلال "تويتر" الذي استخدمته رهف كمنصة لإخبار قصتها للعالم، أوضحت الأسباب التي دعتها للهروب من أسرتها في المملكة السعودية، وانتقالها إلى تايلاند عبر الكويت، آملة td الذهاب بعدها إلى استراليا من خلال تقدّمها بطلب لجوء إنساني إلى تلك البلاد. فتحولت قصتها في أقل من أسبوع من مشكلة فردية إلى قضية رأي عام دولي، لاقت تعاطفاً وتفاعلاً واسعاً، في مواقع التواصل والإعلام ولدى جهات سياسية وتشريعية في أكثر من دولة، وصولاً إلى تبنّي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين قضيتها، وتصنيفها لاجئة تسهيلاً لحصولها على هذا الحق في أستراليا أو أي بلدٍ آخر.


ما دفع رهف إلى الهروب وطلب اللجوء، بحسب قولها، هو تاريخ حافل تعرضت خلاله للتعنيف الجسدي واللفظي من أهلها، مصحوباً بقمع عواطفها، وحرمانها من حريتها والتضييق عليها بمنعها من التواصل مع أصدقائها وعزلها عن محيطها، من خلال حبسها في المنزل لفترات طويلة، لأشهر متواصلة، مضافاً إليها تهديدات بالقتل ومنعها من إكمال تعليمها، ما جعلها تفرّ إلى بانكوك من مطار الكويت، بعدما كانت هناك بصحبة أهلها، لتُقابَل برفض السلطات التايلاندية دخولها البلاد، بحجة عدم حيازتها الأوراق المطلوبة، بحسب الرواية الرسمية. فبقيت محتجزة في فندق في مطار بانكوك في الأيام الأولى، إلى أن سُمح لها بالدخول إلى البلاد، بعدما وصلت قصتها إلى مفوضية اللاجئين التي تدخلت في قضيتها، مترافقة مع إعلان استراليا أنها تدرس طلب لجوئها.

رهف التي جذبت أنظار العالم، حصدت ملايين المشاهدات لفيديوهاتها ومتابعين لحسابها تخطى عددهم  الـ100 ألف متابع. كما انطلقت من أجلها مجموعة من حملات التضامن عالمياً، كانت من أبرزها هاشتاغ  #فتاة_تايلند و#SaveRahaf، والتي أثارت نقاشاً واسعاً فتح باب السجال على مصراعيه، وأطلقت الحديث عن مختلف الأمور والقضايا المتعلقة بالحريات ووضع المرأة السعودية وحقوق الإنسان في المملكة.

التأييد والتفاعل الدولي بالحجم الذي ظهر عليه، يستوجب قراءة مؤشراته على أنها إحدى الهزات الارتدادية الكبرى للزلزال الذي أحدثه اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، وأصاب هيكلية المملكة في الصميم. بات واضحاً أن عيون العالم ترصد أي حدث، مهما صغر، له علاقة بالمملكة، ما يؤكّد أنّ السعودية بعد اغتيال خاشقجي ليست كما كانت قبله. ولعله كان من الأصعب أن يلتفت العالم إلى قصة هروب رهف القنون، بكل ضجيجها العالمي، لولا هول الصدمة التي أحدتثها تفاصيل مقتل خاشقجي. بالتالي، فإنّ أي إثارة لموضوع يتعلق بقضية تخصّ حقوق الإنسان أو قمعه في السعودية، مهما كان بسيطاً، إلا أنه بات كفيلاً بتسليط الضوء وإثارة الجدل حول سجل المملكة وتعاطيها مع ملف حقوق الإنسان، وصولاً إلى ما يرجحه البعض من أن تتطور قضية رهف إلى أزمة ديبلوماسية جديّة قد تحط رحالها في السعودية.

وبالرغم من أنّ قضية رهف سلطت الضوء على ما سمّته منظمة "هيومن رايتس ووتش": "ظاهرة هروب السعوديات من سطوة الولاية"، إلا أنّ أياً من الحالات السابقة المشابهة لحالة رهف لم تلق الصدى والضجّة والتفاعل بشكل يُقارب الأضواء التيسُلّطت على رهف. ففي حين نجحت نساء كثيرات في الهروب والحصول على لجوء في دول أخرى، مثل نورا الحلبي (وهي إحدى صديقات رهف) التي حصلت على اللجوء في استراليا، إلا أن نساء أخريات، مثل دنيا علي لسلوم التي هربت إلى الفيلبين في نيسان/أبريل 2017، فشلت محاولاتهن إثر الضغوطات التي مارستها السفارات السعودية في الدول اللتي لجأن فيها، وتمت إعادتهن بالقوة إلى بلادهن، ولم يُعرف لاحقاً أي شيء عن مصيرهن.

وفي حين أنّ التوقيت والحظ كان في صالح رهف هذه المرة، إلا أن مصير الكثير من الفتيات والنساء اللواتي رفعن الصوت وحاولن الهرب والخلاص من المعاناة المماثلة، ولم يفلحن في تحقيق أهدافهن. يمكن تصوّر مصيرهن المجهول من خلال الدعوات الكثيرة التي طالبت بمعاقبة رهف وجَلدها في الساحات العامة، أو حتى قطع رأسها، لتكون عبرة لمن تسوّل له نفسه "الارتداد عن الاسلام" و"الخروج عن تعاليم الشريعة"، ما دفع إحدى الناشطات للقول: "إذا كنت ترغب في معرفة درجة الخطر المحدق برهف ليس عليك سوى أن تتحقق من كمية التغرديات السعودية التي تدعو إلى هدر دمها. أما والدها وشقيقها المتواجدان في تايلاند، واللذان طالبا بإعادتها، فمهما قدما من ضمانات، يجب عدم تصديق كلمة واحدة تصدر عنهما. إذ أن كلّ شيء سيتغير لحظة إعادتها إلى المنزل".

والهجوم على رهف لم ينحصر في هذا الإطار، بل اعتبر العديد من المغردين أن قصتها تهدف إلى "تشويه سمعة المملكة وصورتها بتنسيق وتخطيط مسبق"، وبأنها "تم تجنيدها من بعض السفارات"، متسائلين باستغراب: "كيف يمكن لقصة فردية أن تتحول إلى حديث للإعلام العالمي ومواقع التواصل لو لم تكن مدعومة من جهات خارجية تريد التخريب على السعودية".

لكن هذه الاتهامات والمزاعم يسهل نقضها. إذ أن الواقع يقول إنّ التطرق إلى قضية رهف باعتباره مسألة فردية، فيه تغاضٍ عن أنه يتعلق بمسألة الولاية على المرأة، وهي القضية المثارة منذ سنوات في المملكة حيث أضحت قصصها شبه نمطية، وظاهرة مستحكمة في المجتمع السعودي. فأصوات كثيرة طالبت سابقاً بإسقاط نظام الولاية، ما جعل قضية رهف حافزاً يدفع بهذه المطالبات مجدداً إلى السطح، حيث عبّرت سعوديات كثيرات، عبر هاشتاغ #أسقطوا_الولاية_ولا_كلنا_بنهاجر عن معاناتهن من سطوة الرجال عليهن بحكم القانون، وحذرن من ثورة النساء في المملكة.

ورغم التعديلات التي أدخلها ولي العهد السعودي لتحسين صورة المملكة في الخارج، ومنح بمقتضاها النساء حق قيادة السيارات بعد عقود من المنع، إضافة إلى تخفيف القيود على بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، إلا أن نظام ولاية الرجل على المرأة يبقى أحد أبرز العقبات التي تقف أمام حرية المرأة السعودية، والتي تجعلها قاصرة فعلياً وقانونياً. وهو ما يعكس عجزها عن اتخاذ أي قرار، بحسب "هيومن رايتس ووتش"، التي حذرت من إعادة رهف إلى بلادها، لما يمثل ذلك من خطر شديد على حياتها، قد يكون مصدره إما السلطات السعودية أو أهلها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها