آخر تحديث:16:33(بيروت)
الخميس 10/01/2019
share

الشيخوخة طموحاً

قاسم مرواني | الخميس 10/01/2019
شارك المقال :
  • 0

الشيخوخة طموحاً
كنت أجلس برفقة صديق لي، نحتسي الشاي على شرفة منزله المطلّة على القرية، أمامنا طريق ينحدر بين منازلها حتى يصل إلى الساحة. منازل شيّدت حديثاً تتخلّلها قلّة أصبحت في خريف زمنها، سيتم التخلّص منها قريباً. مرّ زمن كانت فيه المنازل القديمة تملأ ساحة القرية، بجدرانها الصخرية والسطح الطيني والمصاطب، اليوم لم يبق منها سوى آثار قليلة.
كانت الشمس خريفيّة دافئة تسطع بأشعتها على القرية، حين خرج من أحد البيوت القديمة، عجوز ثمانيني، وانحدر نزولاً في الطريق أمامنا باتجاه الساحة، ببطء شديد، كأنه يمتلك وقت العالم كله. بين الفينة والأخرى، كان يقف متكئاَ على عكازه الخشبي، يتأمّل أشجار الكينا والمنازل القديمة، ثم يتابع مسيره. 

قال صديقي متأمّلاً مشهد الرجل: "في الدول المتقدّمة إقتصادياً، يعمل الشخص بجدّ في شبابه حتى يتقاعد في النهاية وينعم بشيخوخة سعيدة، يسلب منه المجتمع سنين شبابه فتعوّضه الدولة براحة البال في شيخوخته، أما عندنا فإنّ الدولة ترمي العجائز كصناديق الأحذية العتيقة".

أذكر إحدى المقابلات مع الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، وكان حينها قد أصبح عجوزاً تماماً، وسأله الصحافي: هل من المحزن أن تكون عجوزاً سيد باشلار؟
أجابه: نعم نعم، محزن تماماً. 

أضاف صديقي: "بعيداً من تقديمات الدولة والوضع الإقتصادي، فإنّ الشيخوخة تشكّل كابوساً مزعجاً لنا جميعاً. العمر الذي نفقد خلاله القوة، نتحوّل إلى كائن ضعيف منصاع إلى رغبات الآخرين، مجرّد عالة عاجزة عن الاهتمام بنفسها ثم هناك الأمراض التي قد تحل بنا، الخرف، نتحول إلى نكتة على لسان الأحفاد. الموت يصبح قريباً جداً، يضطجع إلى جانبنا كل ليلة. بئس كل ذلك".

على العكس مما يقوله صديقي، بالنسبة لي، فإنّ للشيخوخة وجهاً آخر قد لا يدركه الكثيرون منا. أن أستيقظ في الصباح الباكر وليس لدي شيئاً أفعله، أنظر إلى نهاري الطويل الممتدّ أمامي وأقول في نفسي: "أنا أملكه كلّه". أرتدي أيّ شيء موجود في خزانتي، أو قد أبقى في بيجامتي، من يهتم؟ فأنا لن أكون في حاجة لأن أبهر أحداً، لا داعي لأن أسرح شعري، لا يهم إن بدوت جميلاً أم قبيحاً. أستطيع أن آكل ما شئت من الطعام، من غير أن أكترث بالوزن الزائد والكالوري، الأمر سيّان إن كنت نحيفاً أو بديناً.

حين أصبح عجوزاً لن تكون لديّ طموحات، سيكون المستقبل قد أصبح ورائي، حقّقت ما أردت تحقيقه أو فشلت، لا يهمّ. ستكون حياتي ماثلة أمامي كفيلم سينمائي، أجلس تحت الشمس وأتفرج عليها، بكل ما تحتويه من أحزان أفراح ونجاحات وخيبات أمل، سأراقب ذلك كله وابتسم. قد أجلس هكذا لساعات، تحت الشمس، سعيداً برفقة الخيبات المتراكمة، أتذكّرها وأبتسم لسذاجة الشاب الذي عاش منذ نصف قرن.

سيكون قد مات معظم الذين أعرفهم، لا وجود لشخص أخيّب أمله، يعني أني بتّ حراً من كلّ فشل محتمل، أصلاً لن يكون لديّ ما أفشل فيه، وإن استطعت المشي من بيتي إلى الدكّان سأكون قد حقّقت إنجازاً يُحتفى به. 

أن أكون عجوزاً في خريف العمر، يعني أن أعيش كل يوم بيومه، بلا أحلام ولا طموحات ولا أهداف. سأقدّر كل صباح جديد، متسائلاً عن سبب إشراقة شمس اليوم، ثم أستدرك، لقد أشرقت من أجلي كي تقدم لي هدية يوم آخر. أقدر كل مطر، كل ولد إلى جانبي، كلّ شتلة حبق على شرفة منزلي، كل هرّ يموء على باب بيتي أرسلته الحياة كي يبعد عني الوحدة، كل عصفور يغرد فوق نافذتي أتى ليشعرني من جديد بجمال العالم والموسيقى، كل لعبة طاولة زهر إنما تحدث لتعيدني إلى حماسة الشباب. أن تكون عجوزاً يعني أن تقدّر كلّ الجمال حولك لأن كل شيء وجد لأجلك…
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

قاسم مرواني

قاسم مرواني

كاتب لبناني

مقالات أخرى للكاتب

فن التسول الثلاثاء 05/03/2019
في وداع خادمة الأربعاء 06/02/2019
جنّة البطالة الإثنين 03/12/2018
المزيد