آخر تحديث:13:09(بيروت)
السبت 05/01/2019
share

إسرائيل تعترف بـ"إرهاب" المستوطنين المتطرفين

أدهم مناصرة | السبت 05/01/2019
شارك المقال :
إسرائيل تعترف بـ"إرهاب" المستوطنين المتطرفين تصاعدت بعد رشق
"لماذا الصمت طيلة أسبوع؟! وهل كان على التلفزيون الإسرائيلي أن يذيع الخبر أولاً؟!". سؤالان اختزلا انتقاد وتحفظ فلسطينيين في "فايسبوك" و"تويتر"، اتجاه بيان الحكومة الفلسطينية الذي أقر، صباح الخميس،  بما بثه التلفزيون العبري مساء حول تعرض موكب رئيسها رامي الحمد الله، لحجارة المستوطنين قرب حاجز زعترة الإحتلالي - جنوبي نابلس. وكان ذلك فجر 25 كانون الأول الفائت. 
وقد رصدت "المدن" منشورات وتغريدات انتقدت بيان الحكومة الفلسطينية  "المتأخر" والذي بدا اضطرارياً، بعد النشر الإسرائيلي. فاعترفت بإصابة اثنين من مرافقي الحمد الله، بإصابات طفيفة، جراء اعتداء المستوطنين على سيارات الموكب بالحجارة. وكانت من بينها تغريدة وجهت لوماً للسلطة الفلسطينية التي تكتمت على الإعتداء، قائلة: "مش هيك الإعلام يا حكومة.. بعد أكثر من أسبوع وفي أعقاب كشف الأمر على يد صحافي إسرائيلي، تخرج وتقول: الإعتداء على موكب الحمد الله جزء من العدوان على شعبنا!".

وتساءل منشور فايسبوكي آخر: "أوَليس ما تعرّض له محاولة اغتيال؟.. لماذا الصمت ثم الكشف الإضطراري؟!".

والواقع، لا يُعرف سبب تكتم الحكومة على الحادثة، وقد يكون السبب هو شعورها بالحرج المتزايد أمام الرأي العام الفلسطيني، خصوصاً بعد اقتحام الجيش الاسرائيلي الاستعراضي لقلب رام الله وفي وضح النهار، الشهر الماضي. فهي لم ترد أن تزيد نقاط الإحراج عليها، فيتعزز ضعف حيلتها بالترافق مع اعتداءات المستوطنين المتصاعدة والتي باتت تطاول رأس الحكومة وبلا حول ولا قوة لها. فيُقال عنها "لا هي حامية لشعبها ولا حتى لنفسها من المستوطنين!".

وأياً كان الدافع، فإن الحكومة حاولت أن تستغلّ اعترافها بالحادثة داخلياً، كي تسجل نقطة لها، عبر القول للشعب الفلسطيني "نحن أيضاً تطاولنا اعتداءات الإحتلال والمستوطنين". كما حاولت استثمار الحادثة من ناحية المجتمع الدولي من خلال التأكيد على "أن إرهاب المستوطنين تجاوز الخطوط الحمر.. وها هو يطاول رئيس الوزراء الفلسطيني". وقد عزز هذه الغاية، المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، عندما أعرب عن قلقه مِن اعتداء المستوطنين على موكب الحمد الله، مشدداً على "أنه أمر غير مقبول. يجب تقديم الجناة إلى العدالة. يمكن للحجارة ان تقتل، كما فعلت مع فلسطينيين سابقاً".

والحق، الأهم من الجدل الفلسطيني الداخلي حيال الحادثة، هو أن ما جرى يُظهر أن الأمر لم يعد يُحتمل، ويجعل من كل فلسطيني هدفاً مُفترضاً لخطر الإصابة أو القتل على أيدي هذه العصابات الإستيطانية المتطرفة. هذا إن علمنا أن الإعتداء على موكب رئيس الوزراء الفلسطيني، جرى في المكان نفسه الذي استشهدت فيه المواطنة عائشة الرابي، بعدما تعرضت سيارتها لحجارة المستوطنين الغادرة في إحدى ليالي شهر تشرين الأول.

لكن السؤال الأكثر الحاحاً في هذا السياق هو: ما الذي يجعل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تكشف من تلقاء نفسها، وقوف مستوطنين خلف إلقاء الحجارة على موكب الحمدلله؟ وقبلها تقر بوقوفهم وراء استشهاد المواطنة الفلسطينية الرابي؟ كان بإمكانها أن تصمت وتقول "إنها إدعاءات فلسطينية لا أكثر!".

لعل الإجابة على التساؤل يمكن أن نتوصل إليها عندما نتمعن مليّاً في العنوان الأبرز الذي تصدَّر الإذاعة العبرية العامة "مكان"، فور نشر الخبر عن الإعتداء على موكب رامي الحمد الله. فقد نقلت تحذيراً غير مألوف، عن مصدر أمني إسرائيلي، مفاده "احتمال وقوع اعمال إرهابية يهودية في السّامرة (شمالي الضفة الغربية)".

المُلاحظ أن المستويات الإستخباراتية والأمنية في تل أبيب باتت تصف أعمال المستوطنين المتطرفين في شمال الضفة بـ"الإرهابية" من دون تردد. وقد انتقلت من دائرة التستر عليهم إلى مربع الإقرار والتحذير منهم ومن أعمالهم، ما يجعل توقيت وحجم الإثارة الإعلامية الإسرائيلية لهذه الإعتداءات في حق الفلسطينيين في الضفة، ووسمها بـ"إرهابية"، أمراً لافتاً يحمل علامات استفهام كبيرة!

ومما توصلت إليه "المدن" في بحثها عن خلفية تعاظم التحذيرات الأمنية الإسرائيلية مما وصفته بـ"إرهاب يهودي" سابق ولاحق في الضفة، فإنه موجّه بالدرجة الأولى للمجتمع اليميني وقيادات المستوطنين، وذلك لتهدئة موجة غضبهم ومعارضتهم لخطوة اعتقال جهاز الأمن الإسرائيلي "الشاباك"، مؤخراً، لثلاثة مستوطنين يُشتبه بتنفيذهم أعمال إرهابية ضد فلسطينيين.

وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن المحكمة الإسرائيلية أمرت بمنع لقاء المحامين بالمستوطنين المعتقلين، حتى يوم السبت، مع استمرار عدم النشر بخصوص التهم الموجهة إليهم أو هويتهم والجماعة التي ينتمون إليها.

ورغم ذلك، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حاولت من خلال إثارتها الإعلامية للموضوع، سواء بالإعلان عن الإعتداء على موكب رئيس الوزراء الفلسطيني، ومروراً بالتأكيد على تنامي عمليات إرهابية من قبل المستوطنين، بالترافق مع التحذير من أخرى محتملة في قادم الأيام، أن تقول لحاخامات المستوطنين والوسط اليميني المتطرف: "إن المخاوف جدية وخطيرة. والقلق تصاعد خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تزايد هجمات مستوطنين ضد فلسطينيين وممتلكاتهم، سواء في الشوارع العامة او حقولهم الزراعية أو في قراهم، خصوصاً في منطقة نابلس ومستوطنة يتسهار". 

والحال، أن الإقرار الإسرائيلي بإرهاب مجموعات استيطانية ليس بغرض حماية الفلسطينيين أو لسواد عيونهم؛ بل من أجل إسرائيل ومستقبلها. فأن تظهر مجموعات سرية للمستوطنين وخارج السيطرة، وتقوم بأعمال تكشف عورة الإستيطان، هو أمر يضر بالدولة العبرية ودعايتها أمام العالم. وقد يندرج هذا الإعلان الإسرائيلي في سياق استباق أعمال إرهابية بحق فلسطينيين، من أجل التبرؤ- مُسبقاً- منها أمام العالم.

لكن.. مَن هم هؤلاء المستوطنون الإرهابيون؟ وكم عددهم؟ ومَن يُجنّدهم؟ لا يجيب الأمن الإسرائيلي على هذه التسؤالات بوضوح، ويحاول الإدعاء أنه، رغم جهله لعددهم الإجمالي، إلا أنهم لا يرتقون لمستوى تنظيم سري بالمفهوم التقليدي ولدرجة الهيكل التنظيمي. ومن وجهة نظر الأمن، لا تعدو هذه العناصر المتطرفة، كونها خلايا محلية سرية. غير أنّ اقلاماً إسرائيلية يسارية وحقوقية تشكك في هذا الزعم، وتقول إن الأمن لا يقول بالضرورة "الحقيقة". 

صحيفة "هآرتس" قامت بقرع جدران الخزان عندما نشرت مقالاً للحقوقي ميخائيل سفراد، قبل أسبوعين، بعنوان "كوكلوكس كلان يهودي يزدهر في الضفة الغربية تحت سمع وبصر المؤسسات المسؤولة". وسلط الحقوقي الإسرائيلي الضوء على ازدياد جرائم المستوطنين في الضفة خلال الشهرين الأخيرين وعلى نحو خطير.

ووثقت منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية شهادات وصور عن الاعتداءات الليلية بدافع الكراهية، والتي نفذها مستوطنون في ثماني قرى فلسطينية؛ ليستيقظ السكان (في كفر الديك، عوريف، بُرقة، حوارة، عصيرة القِبلية، المغيّر، جبع وبِتين) في الصباحات ليجدوا أمام عيونهم مناظر مُرعبة من الشعارات المكتوبة على الجدران تتوعدهم بالموت والثأر، والسيارات المحروقة والإطارات الممزقة. 

ويتابع مقال سفراد في"هآرتس": "على أبواب وجدران في مراكز هذه القرى، رسم الإرهابيون اليهود الرمز الذي أُجبر ملايين الضحايا اليهود على تعليقه على ملابسهم خلال فترة النازية، تعبيراً عن دونيتهم وتمهيداً لإبادتهم، والذي يصبح في هذه الفترة، لشديد الخجل، رمزاً عنصرياً لحركة التفوق اليهودية: نجمة داوود. ولم يتم اعتقال أي واحد من المعتدين اليهود. وهذا أمر روتيني".

إن تعالي الأصوات الإسرائيلية التي تتحدث عن خطورة هذه الجماعات، والتي يسمى بعضها عصابات "تدفيع الثمن" لا تتردد في دق ناقوس خطر "الداعشية اليهودية"؛ فهناك مجموعات متطرفة تطالب بإعادة إقامة "المملكة اليهودية" البائدة، إذ أنها لا تؤمن بشكل الدولة الإسرائيلية الحالي.

وفي المقابل، يتساءل الفلسطينيون: ما الذي قلب الآية هنا في السنوات الأخيرة؟.. فبعدما كانوا يخافوننا.. بتنا نخافهم في الطرق وفي الليالي الظلماء؟... وفي ذلك يحاولون تحميل السلطة الفلسطينية وكافة الأحزاب، من يمينها إلى يسارها، كامل المسؤولية. فبينما هم منشغلون بإنقساماتهم ومناكفاتهم، تتكرس السيطرة الإسرائيلية على الأرض، ومعها إرهاب المستوطنين الذي طاول عائلة دوابشة في قرية دوما، قبل ثلاث سنوات، حرقاً.. وقتل عائشة الرابي رمياً بالحجارة قبل شهرين، علاوة على الإعتداء على فلسطينيين بشكل شبه يومي أثناء عملهم في مزروعاتهم، مروراً بحرقها وتدمير ممتلكاتهم ومركباتهم.. والحبل على الجرار.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها