آخر تحديث:16:02(بيروت)
الجمعة 04/01/2019
share

التائبة رولا الطبش

بتول خليل | الجمعة 04/01/2019
شارك المقال :
  • 0

التائبة رولا الطبش اعتذرت إلى الله ونطقت بالشهادتين تأكيداً على التزامها الإسلام (عن موقع دار الفتوى)
التحقت النائبة رولا الطبش مؤخراً بركب النواب الذين "طبشوا" أنفسهم بالحائط، بعدما تحوّلت مناسبة حضورها لقداسٍ من أجل السلام، والذي كان من المفترض أن يكون مناسبة توحي بمدى التعايش بين طوائف لبنان، إلى انتكاسة تسببت بها الطبش لنفسها وطاولت شظاياها الطائفة والتيار السياسي اللذين تنتمي إليهما.


تعرضت عضو "تيار المستقبل" إلى حملة هجوم اتهمتها بالكفر والخروج عن العقيدة الإسلامية، بعدما حضرت مراسم القداس وتقدمت إلى الكاهن من أجل "المناولة" وهو اكتفى بوضع الكأس المقدسة على رأسها، من دون مناولتها للقربان. وهو ما جعل الطبش تستنكر الهجوم عليها، مُذكرة بأهمية التعايش وإبراز الاحترام لمعتقدات الآخرين. إلا أنها، وبعد ساعات انتهى بها الأمر في دار الفتوى، تنصت إلى شرح مسهب عن الأصول الشرعية الإسلامية، لتنطق بعدها بالشهادتين تأكيداً على التزامها الإسلام، متوجة رجعتها إلى الدين وإعلان توبتها النصوح مما اقترفته وجنته على نفسها، بالاعتذار إلى الله!

عدم ثبات الطبش على موقفها الذي أعلنت عنه بداية، من اعتبارها أن حضورها القداس ومرورها أمام الكاهن لا يعدو كونه احتراماً للأديان وترسيخاً لقيم التعايش، جعلها تخسر تأييداً واسعاً أحاط بها بعد الهجوم عليها وتكفيرها، خصوصاً أنها كانت قد أكّدت أن "الطقوس واحترام عادات الغير لا تلغي الإيمان الداخلي، ولا تجعل المسلم كافراً"، وأنها "ليست أول مسلم يدخل الكنيسة ولن تكون الأخيرة". لكنها ما لبثت أن صدمت المتضامنين معها وخيّبت آمالهم، بعدما ظهرت وكأنها لم تكتف بالتراجع السريع عن موقفها، بل ذهبت بعيداً بجنوحها نحو الإفراط والمبالغة في أسلوب محاولتها احتواء الموقف، ظناً منها أنها تقطع الطريق أمام المشككين في إيمانها وعقيدتها. إلا أن محصلة الموقف برمّته كان أنها أغضبت الطرفين، لينطبق عليها المثل "لا مع جدّي بخير ولا مع ستّي بخير".

"اعتذرتِ من الله تقولين؟ اعتذرتِ لأنك دخلتِ أحد بيوته؟ ألم يقل لك من علّمك الدين الإسلامي الذي تدّعين، أن المسيحيين هم من أهل الكتاب؟ هل عندك أدنى إدراك لما تسببتِ به من إهانة للمواطنين الذي يعتنقون المسيحية بعد ما سمعوه من النائبة التي تمثلهم؟"، هي مجموعة تساؤلات وجهتها الإعلامية ديما صادق للنائبة الطبش، أتت متبوعة بجملة انتقادات للنائبة التي كرّست بفعلتها تلك "التعايش الكاذب" والادعاءات الزائفة بالانتماء إلى تيار الاعتدال والإيمان بالدولة المدنية.

لا شكّ أن تداخل العامل الديني بالسياسي في مثل هذه المواقف قد يضع أي شخص في موقف يحار فيه ولا يُحسد عليه. إذ يتصارع بين ثباته على موقفه، أو يواجه احتمال خسارة شعبيته وتأييد طائفته، وهو الأمر الذي حصل مع الطبش التي خضعت لسطوة السلطة الدينية التابعة لها، فجعلتها "تُصحح" موقفها بسرعة قبل استفحال تداعياته. لكن الذي حصل بالفعل هو أنها عرّضت صورتها للاهتزاز، إذ وصفها الكثير من المغردين بأنها "تابعة" و"مسيّرة" و"صاحبة شخصية ضعيفة".

تاريخ زلات النواب والسياسيين في لبنان زاخر بالمواقف المشابهة لما تعرضت إليه النائبة الطبش. ونسوق ذلك من باب الواقع، وليس من باب إيجاد العذر أو التبرير أو التخفيف. إذ أنها ليست الوحيدة التي تفتقر للخلفية الثقافية والدينية، وتنقصها لباقة التعاطي والتصرف في المواقف الحساسة واللحظات الحرجة. وليس ما تعرضت إليه الطبش وموقفها المتغيّر سوى حلقة من سلسلة أحداث ومشاكل بالغة الدلالة ارتبطت في كثير من الأحيان بتداخل الدين مع السياسة من جهة، وبالتبعية السياسية التي تتشكل على أساسها اللوائح الانتخابية من جهة أخرى. إذ تكون الانتقائية والاستنسابية والأولوية لاعتبارت متعددة، أولها الولاء وحسابات الأصوات وآخرها الكفاءة.

ومع انعدام الأهلية، سنشهد دائماً مواقف مشابهة لما عودنا عليه مثلاً النائب السابق نبيل نقولا، الذي شبّه شهداء "حزب الله" ذات مرة بالسيد المسيح، واجتهد بجدية محاولاً الجمع بين ولاية الفقيه وأصول الدين الإسلامي، الأمر الذي لم يجرؤ على فعله أهم فقهاء الدين عبر أزمانهم، وذلك كلّه بهدف محاولة استرضاء "حزب الله"، وتأكيداً منه على التزام تياره بوثيقة التفاهم معهم.

كما أنّ منسوب الوطنية الزائدة التي تعتري النائب زياد أسود، جعلته يدعو المسيحيين إلى حمل السلاح للدفاع عن المقدسات والأرض والوجود المسيحي في الشرق، في دعوة تعيدنا إلى القرون الوسطى والحملات الصليبية التي كان يشنها باباوات روما، مروراً بالنائب علي عمار، الذي تفوّق على نظرية ألبرت آينشتين النسبية، حين نظّر لأهمية تقبيل الأحذية كونها الطريق للارتقاء نحوالملكوت.

من هنا، فإن رولا الطبش عبرت من باب التركيبة العجيبة للبيئة السياسية في لبنان، المفتوح مصراعيه، من خلال سقطتها الأخيرة، التي كنا نتمنى لو أنها لم تكن، خصوصاً أنها وجه نسائي ينخرط في القضايا المتعلقة بشؤون المرأة والدفاع عن حقوقها، ما جعل اهتزاز صورتها بهذا الشكل يلقي بظلاله على نساء كفوءات سيترشحن لدخول المجلس لاحقاً.

أما على الصعيد الشخصي، فلا يبدو أن الطبش ستقوم من سقطها عما قريب، والأغلب أن أثر فعلتها سيرافقها حتى لحظة خروجها من المجلس النيابي، الذي يبدو من العسير جداً دخولها إليه مرة أخرى.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها