آخر تحديث:17:51(بيروت)
الخميس 31/01/2019
share

نيشان و"النساء المثليات".. أراد أن يكحّلهن فأعماهنّ!

بتول خليل | الخميس 31/01/2019
شارك المقال :
  • 0

نيشان و"النساء المثليات".. أراد أن يكحّلهن فأعماهنّ! أثبتت حلقة "النساء المثليات" أن مقاربته للمحظورات قد تفلتت من عقالها
إن كان لميزة أو وصفٍ يصلح لتوصيف برنامج "أنا هيك"، الذي يقدمه نيشان، فهو الانحدار. لكن إذا ما أردنا استعمال تعبير آخر، فيمكننا تشبيهه بالسقوط الحر، الذي يستمر بالهبوط من دون أن يجد له قعراً.


نيشان الذي لا ينفكّ يُدهشنا، من خلال حلقات برنامجه الأسبوعي، بأدائه الذي يكاد يكون خرافياً، وبالكاد يمكننا استيعاب وتصديق الكم الهائل من السخافة والهراء، إن كان بالطريقة أو الأسلوب الذي يُعدّ له ويقدمه، أو إن كان من خلال نوعية الأسئلة والزوايا، التي يختار أن يُقارب بها مواضيع تكاد تكون بمجملها تترواح بين الممنوع والحسّاس. وما حلقة أمس الأربعاء، التي تناولت موضوع "النساء المثليات" إلا أصدق تعبير وأوضح مثال على ما يمكننا، وبكل ضمير مرتاح ويقين مستقر، أن نضعه في خانة الابتذال والسوقية الصرف.

وإن كان نيشان لم يعد قادراً على الاختباء وراء أي حجة أو التلطّي خلف ستار هوية البرنامج، التي يُحاول بالقوة إضفاء الصبغة الاجتماعية والحوارية عليه، ذلك كون الحلقات الأخيرة، وخصوصاً حلقة أمس، أثبتت أن مقاربته للمحظورات قد تفلتت من عقالها جرّاء المستوى السطحي ومدى الخفّة التي تحوّلت إلى سمات أساسية، تطبع أسئلته ومقارباته، التي بات من الواضح أنها لا تقيم وزناً أو حساباً لشيء سوى شدّ الجمهور وإعلاء منسوب "الرايتينغ".

يزعم نيشان، من خلال تقديمه لبرنامج "أنا هيك"، إلقاء الضوء على حالات اجتماعية ونماذج لشخصيات لها نمطيات لا تتوافق ولا تنسجم في كثير من الأحيان مع المجتمع اللبناني، وإنه يجهد ساعياً لمحاولة نزع صفة التهميش عنها وإفساح المجال لها للتعبير عن نفسها ككيانات منسجمة مع ذاتها، ولا يبالي بالأحكام المسبقة التي عادة ما يُطلقها المجتمع على هذه الفئات، واضعاً نفسه في مكان محايد، يراوح في منتصف المسافة التي تفصل بين الاستنكار والهجوم والقبول والتشجيع.

إلا أنه في حلقة أمس، التي استضاف فيها ثلاث نساء مثليات، لتروي كل واحدة منهن قصتها وتفاصيل حياتها وتجاربها على حدة، عكست حلقته وأسئلته ومجمل تعاطيه مع ضيفاته تكريس صورتهنّ بأنهن أبعد ما يكنّ عن النساء الطبيعيات، اللواتي يتمتعن بأخلاقٍ  حسنة وسلوك قويم، رغم ذكره بأنّ مفارقتهن الوحيدة عن الاخريات، هي فقط في الجانب الذي يتعلق بالميول والرغبات تجاه مثيلاتهنّ من الجنس نفسه.


نيشان الذي وجّه في مستهل الحلقة انتقادات لكل المصابين برهاب المثلية ومطلقي خطاب الكراهية تجاه المثليين والمثليات، ومن يتهمه بالترويج للفسق والفجور، ساهم من حيث لا يدري بتكريس كلّ ما دعا لنبذه إن كان ضدّه تجاه هذه الفئات. إذ أن جلّ مقاربته ومعظم أسئلته التي وجهها لضيفاته كان مدخلها الاساسي هو الجنس، حيث تكررت كلمة الجنس والعلاقة الجنسية في مستهل الحلقة وخلالها عشرات المرات، وبدا جوهر أسئلته وتعليقاته انطلاقه بالتركيز على الرغبات الجنسية، وذهب بعيداً في الغوص في أدق التفاصيل المرتبطة بهذا الجانب، متغاضياً عن ضرورة التركيز على التركيبة الشخصية والنفسية والعاطفية والفكرية والسلوك الاجتماعي لضيفاته، الأمر الذي أسهم في تقديم المثليات كما لو أن حياتهن كلّها تتمحور حول الجنس، دون أي هموم أو اهتمامات أخرى.

أسئلة على غرار "متى كانت المرة الأخيرة التي مارستِ فيها الجنس مع امرأة؟" و"كم عدد المرات التي قبّلت فيها نساء؟"، و"هل تفضلين الشقروات أم السمروات؟" و"كيف بتطحشي عالبنت؟"، "وماذا حصل عندما مجامعتك للفتاة الأولى؟"، "وَمن مِن النساء المشاهير تُعجبك؟"، كانت وأمثالها غيض من فيض انتقاه نيشان مدخلاً ومحوراً للحوار مع ضيفاته. 

فهل هذا هو السبيل والنهج الذي يمكن وضعه في خانة النقاش الجدي والموزون، المتناسب مع تفكير المجتمع الذي تُقدّم إليه هذه المادة. وهل ينتظر نيشان بعد كلّ هذا أي نوع من تفهّم أو تغيير رأي المجتمع الرافض للمثلية الجنسية بطريقة أكثر إيجابية، رغم كل المنطلقات الدينية والأعراف الاجتماعية، التي ترفض أساساً أي اعتراف بصوابية أو أحقية التطبيع مع المثليين والمثليات؟ وأين هي المرتكزات البناءة التي انطلقت منها الحلقة والنتائج التي خلصت إليها، كي تحفّز المجتمع على إعادة مقاربته لهذا الموضوع من منطلقات جديدة؟

التركيز على أدق التفاصيل الشخصية في حياة الضيفات، جعلت الحلقة تبدو وكأنها تستضيف نجمات شهيرات من الصف الأول، يهتم الجمهور بتتبع أخبارهن وأسلوب حياتهن ومعيشتهن. بينما كان من المفترض أن يتم التطرق إلى المسائل الجوهرية المشتركة التي تُشكّل الأسس والسلوكيات الخاصة، التي يمكن من خلالها الولوج إلى الجوانب النفسية التي تتشابه أو تتفارق فيها المثليات بين بعضهن والأخريات. الأمر الذي جعل الحوار بغالبه يتحوّل إلى ثرثرة بلا رسالة أو هدف أو معنى.

ناهيك عن أن اختيار الشخصيات شابته علّة جذرية تمثّلت أولاً في استضافة فتاة مثلية نشأت وترعرعت خارج لبنان ولا تحمل جنسيته، وهي تنتمي إلى بيئة وجوّ لا يتماهى بالضرورة مع المجتمع اللبناني أو يعبّر عنه. أما الفتاة الثانية، فقد ظهرت متخفية الوجه، ما جعل حضورها بهذا الشكل يُلقي الشك على حقيقة هويتها، وحقيقة كل ما تدّعيه، إذ يمكن ببساطة اعتبارها ممثلة مدفوعة الأجر أتت لتؤدي الدور المطلوب منها. إذ أن التخفّي يتناقض مع الفكرة الجوهرية للبرنامج وعنوانه "أنا هيك"، والذي يوجب افتخار الضيف بنفسه وإظهار هيئته أمام المجتمع، ما زاد من ضعف الحلقة وأضاف عليها وهناً على وهن.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها