آخر تحديث:17:13(بيروت)
الأربعاء 30/01/2019
share

ذكرى الثورة الخمينية:تاريخ بديل يُكتب من خارج "أرض الظلام"

وليد بركسية | الأربعاء 30/01/2019
شارك المقال :
  • 0

ذكرى الثورة الخمينية:تاريخ بديل يُكتب من خارج "أرض الظلام" غرافيتي الثورة الإيرانية في طهران (غيتي)
من بين الصور الأرشيفية لعودة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية "روح الله الخميني"، إلى طهران من منفاه الباريسي، قبل أربعين عاماً، والمتداولة في "تويتر" ضمن مظاهر إحياء ذكرى الثورة الإسلامية في البلاد، تبرز تغريدة مختلفة: "قبل أربعين عاماً غادر والدي إيران مع جدي"، وتعطي صاحبتها لمحة عابرة عن تلك اللحظة التاريخية التي غيرت البلاد والمنطقة عموماً.


ورغم أن التغريدة لا تعود لشخصية عامة أو مشهورة، لكنها حظيت بتعاطف واسع، حيث تبدو سطراً مجتزأً من قصة شعب بكامله، أبطالها المجهولون وجدوا في مواقع التواصل وسيلة لإيصال أصواتهم، وكسر الهالة الرسمية المحيطة بزخم الاحتفال السنوي بالثورة في رعاية السلطات الإيرانية، منذ منتصف كانون الثاني/يناير وحتى موعد المسيرة السنوية في شهر شباط/فبراير المقبل، والتي تعطي في مجملها انطباعاً غير دقيق، بوجود احتضان شعبي كامل للثورة الإيرانية، بعد 4 عقود على قيامها.

وهذا العام، تعود الدعاية الرسمية الإيرانية، إلى أدبياتها الكلاسيكية، بالتركيز على فكرة العدو الخارجي، ويختلف ذلك إلى حد ما عن الدعاية التي رافقت ذكرى الثورة في السنوات التي تلت الاتفاق النووي الإيراني للعام 2015، والتي ركزت جزئياً على الانتصار بعد الصمود والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. كما تختلف بشكل خاص عن دعاية العام الماضي، عندما كان الضخ الرسمي معدوماً، في مقابل الإيحاء بوجود تحد شعبي رافض لشخص الرئيس دونالد ترامب، في وقت لم يكن فيه الاتفاق النووي قد انهار بعد.

ويمكن تلمس ذلك الضخ في سلسلة وثائقية مثيرة للجدل، أعاد التلفزيون الرسمي إحياءها مؤخراً بمناسبة ذكرى الثورة، وتتحدث عن ولاءات الصحافيين وناشطي حقوق الإنسان، وحتى المدافعين عن قضايا كالبيئة والمناخ، لجهات خارجية، مع التذكير بانتصارات البلاد العسكرية السابقة في الحروب التي تلت الثورة الإيرانية.

السلسلة التي تحمل عنوان "بعيداً من الأنظار" تعود للعام 2017، وبثت منها حلقات على موسمين، قبل منعها. لكن القناة الإيرانية الثالثة الموجهة للشباب أعادت إحياءها، وأثارت غضباً في إيران ودول غربية، بسبب عرضها لقطات لاعتقال ناشطين وصحافيين بارزين. والغاية من ذلك، ربط أي نشاط في البلاد بنظرية مؤامرة محكمة، تقول أن دول الغرب، بالمجمل، تريد تدريب الصحافيين والناشطين كجواسيس، وتستخدم مواقع التواصل وقنوات الإعلام المستقلة، للقيام بثورة ناعمة في إيران وتغيير نمط الحياة الإسلامي ونشر الفجور بين النساء الإيرانيات.

يؤكد على ذلك أن السلسلة عرضت في الأساس، احتفالاً بذكرى تظاهرات العام 2009 الموالية للنظام والتي ساهمت في سحق "الثورة الخضراء" الديموقراطية التي هزت إيران في وقت سابق من ذلك الصيف احتجاجاً على تزوير الانتخابات. لكن السلسلة منعت من العرض بقرار رسمي، بسبب الخوف من أن تساهم في إشعال غضب الإيرانيين الذين نزلوا إلى الشوارع في كانون الأول/ديسمبر 2017، في احتجاجات على الوضع الاقتصادي المتردي.

وعليه، تشكل عودة السلسلة اليوم، جزءاً من الرد الرسمي على دعوات تغيير النظام الآتية من الإدارة الأميركية، بعد انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي وإعادة فرض عقوبات على إيران، والدعوات التي أطلقها كل من مستشار الأمن القومي جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو بهذا الخصوص، خلال الأشهر الماضية. كما أن اللعب على وتر الحرب الإقليمية، يشكل رسالة للدول الأوروبية للتهدئة مع إيران، وموازنة الضغط الأميركي، لأن آخر ما يريده العالم هو حرب جديدة في المنطقة، تدفع باللاجئين إلى أوروبا من سوريا والعراق وأفغانستان.

هذا الجو يمتد من التلفزيون الرسمي إلى الفعاليات الثقافية، مثل مهرجان "عمار" السينمائي الذي ركز على موضوع "الإعلام المعادي لإيران" من قبيل "بي بي سي"، وصولاً إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تروج للفكرة. والمشترك بين الجوانب الدعائية الثلاث، أن المروجين لها هم إيرانيون شباب، ومحافظون، وغير راضين عن تخفيف القيود الاجتماعية أو الانفتاح في البلاد، ويتم تقديمهم على انهم ممثلو الجيل الجديد من الثورة الإسلامية "المستمرة". فيما تقول مواقع إيرانية مستقلة، أن أولئك الشبان يتلقون تمويلاً كبيراً من الحرس الثوري الإيراني، لنشر هذه الدعاية.

والحال أن استذكار النظام الإيراني للحرب الإيرانية العراقية، في ثمانينيات القرن الماضي، والانتفاضة الخضراء، هو أسلوب للتجييش والحشد العاطفي، في مقابل التقديرات بأن النظام الإيراني بات أمام خطر وجودي جدي. إذ يواجه تحديات غير مسبوقة، لا سيما الاحتجاجات المتزايدة والإضرابات وأعمال العصيان مدني في مناطق متعددة، إضافة إلى "مرشد أعلى" طاعن فى السن هو علي خامنئي الذى تدور شائعات حول إصابته بمرض السرطان، والعقوبات الأميركية.. وهو ما تواجهه الدعاية الرسمية بحزم.

ورغم أن أربعة عقود فترة طويلة جداً، إلا أن الدعاية الرسمية تتجاهل كل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وتركز على فكرة وقوف الشعب الإيراني كله وراء الثورة، فيما امتلأت مواقع التواصل بمنشورات باللغتين الفارسية والانجليزية، تكشف كيف تغيرت إيران خلال أربعين عاماً، وكيف باتت الدولة الدينية أكثر هشاشة.

وفي "تويتر" يغرد أشخاص عن حياة أهلهم الذين تركوا إيران قبل عقود، من دون الخوض في النوستالجيا، بل يتحدثون عن راحة التخلص من الظلام الذي غمر البلاد، وكيف يمكن للحظة واحدة أن تغير كل شيء ضمن عالم مليء بالمخاطر، حيث تنشط أجهزة المخابرات للاعتقال والترهيب والإعدام. علماً أن السلطات الإيرانية اعتقلت أكثر من 7000 مدني خلال العام 2018 الذي بات يسمى "عام العار" حسب وصف منظمة العفو الدولية "أمنستي" قبل أيام.

وأصبحت البلاد خانقة، بسبب عقوبات فظيعة ومؤلمة، شملت الجَلد والسجن والموت لكل من يتحدث بما يخالف رغبة الحكام، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية المتردية والفساد المستشري في كل أركان النظام. وبرغم الأمجاد الحضارية لإيران، يرى الكثير من الجيل الجديد من المهاجرين الإيرانيين، أن أرض آبائهم تحولت إلى أرض قاسية ومظلمة، وأن النظام يتحمل مسؤولية رئيسة عن "مرض تغلغل عميقاً في الروح الوطنية الإيرانية"، كما تشير منشوراتهم في "تويتر".

ويشير الإيرانيون في تغريداتهم إلى تحول البلاد إلى منحى بائس منذ عودة الخميني من منفاه الباريسي لينطلق بدولته الدينية، متسائلين عن العدو الحقيقي للشعب الإيراني. وعلى عكس نظريات المؤامرة الرسمية، يتحدث المغردون عن العائلات الأقوى في إيران، دينياً واقتصادياً. ويذكّرون بعلاقات المصاهرة بين تلك العائلات، الأمر الذي يقوّي سيطرتها على البلاد، بما في ذلك زواج أحمد الخميني، حفيد المرشد الأعلى المؤسس، من حفيدة آية الله محمد رضا جولبايجاني أواخر العام الماضي، والذي استُعيد النقاش حوله مع ذكرى الثورة. إضافة إلى الجدل المصاحب لنشاط الخميني الصغير في "إنستغرام"، في إشارة إلى الصراع على السلطة بين الإصلاحيين والمتشددين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها