آخر تحديث:19:53(بيروت)
الثلاثاء 29/01/2019
share

ماكرون في القاهرة: مصالح فرنسا أم مبادئها؟

حسن مراد | الثلاثاء 29/01/2019
شارك المقال :
ماكرون في القاهرة: مصالح فرنسا أم مبادئها؟ قدمت فرنسا نفسها على الدوام راعية للديمقراطية وحقوق الانسان
خلال المؤتمر الصحافي الذي جمع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إبان زيارة الأخير إلى فرنسا العام 2017، صرح الرئيس الفرنسي أنه انطلاقاً من احترامه لسيادة الدول لن يسمح لنفسه بإعطاء دروس للآخرين في كيفية إدارة شؤونهم الداخلية، وذلك في معرض رده على سؤال حول الانتهاكات الحقوقية في مصر. 

لكن، وعلى عكس لقائهما السابق، فرض ملف حقوق الإنسان في مصر نفسه بقوة على جدول أعمال زيارة ماكرون الأخيرة القاهرة، إذ أعلن الرئيس الفرنسي أنه سيتناوله بكل صراحة مع نظيره المصري. وهذه الزيارة التي أتت بعد أيام على إطفاء ثورة 25 يناير شمعتها الثامنة، تخللها توقيع اتفاقيات تجارية في مختلف المجالات (النقل، الصحة، الزراعة...) بقيمة ناهزت المليار يورو. 

تركيز الاعلام الفرنسي في تغطيته لتلك الزيارة على هذين الجانبين، الاتفاقات وملف حقوق الإنسان، دفعه تلقائياً إلى طرح تلك الاشكالية المتجددة: المصالح أم المبادئ؟ 

سعى ماكرون جاهداً إلى تبديد الصورة التي ما زالت تلاحقه منذ العام 2017 ، فأطلق خلال المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع السيسي، أمس الاثنين، مواقف تتعلق بضرورة احترام حقوق الانسان

على هذا الصعيد، كان لافتاً خلو الزيارة من توقيع أي اتفاقات عسكرية، وهو أمر حمل رمزية كبيرة حتى تحول إلى عنوان في عدد من الصحف والمواقع الإخبارية الفرنسية مثل Challenges وMediapart وCapital. 

فالاتفاقات العسكرية المبرمة بين القاهرة وباريس، لا سيما صفقات الرافال التي لولا مصر لما نجحت فرنسا في تصديرها للخارج، تثير علامات استفهام لدى المنظمات الدولية التي تتساءل دوماً عما إذا كانت فرنسا تغض الطرف عما يتعرض له معارضو السيسي (من صحافيين ومثقفين ونشطاء اجتماعيين ومدونين...) مقابل تلك العقود.

وعليه، طالبت بوقف صادرات الأسلحة الفرنسية الى القاهرة، متهمة باريس بأنها تكفل النظام المصري القمعي على حد وصفها. في هذا السياق، أعادت وسائل إعلام فرنسية نشر تقرير لمنظمة العفو الدولية متعلق باستخدام النظام لمعدات عسكرية فرنسية في عمليات القمع، وهو ما تنفيه كلٌ من باريس والقاهرة، مؤكدتين أنها تستخدم لأغراض عسكرية بحتة في إطار حفظ الحدود ومحاربة الإرهاب في سيناء وعلى الحدود الليبية. 

إزاء معضلة المصالح والمبادئ، تساءل بيار هاسكي في الموقع الإلكتروني لإذاعة France Inter ما إذا كان كلام ماكرون هو الحد الأقصى لما يمكن أن يقدمه في عالم باتت أسواقه مشرعة على التنافس الدولي؟

في هذا الصدد كان لعدد غير قليل من الصحافيين رأي مغاير عما ذكر آنفاً. فاعتبر سيباستيان لاي في صفحات L'Opinion أن "توبيخ" باريس غير منتج، وفصَّل بالأرقام المردود الاقتصادي للعلاقات الفرنسية - المصرية، معتبراً أنه من الخطأ اختزالها في التعاون العسكري. وختم مقاله بالإشارة إلى أن كثرة التركيز على ملف حقوق الانسان في الظرف الراهن يعكس قصر نظر، فيما البراغماتية تفرض مساعدة الرئيس السيسي على النهوض اقتصادياً بمصر ما يساهم في تجفيف منابع الإرهاب، لا سيما الفقر، ويؤدي بالضرورة إلى الحد من القمع على المدى المتوسط. 

ومثلما كانت لعدد من الصحافيين مواقف مؤيدة للشراكة والتعاون مع مصر انطلاقاً من المصلحة الاقتصادية، سلط المعارضون بدورهم الضوء على هذه المسألة، فتناولت موفدة صحيفة Libération إلى القاهرة، هاله قضماني، الحالة الاجتماعية للمصريين. 
لم تنفِ قضماني المؤشرات الماكرو-اقتصادية الدالة على تحسن الاقتصاد المصري، لكن من خلال شهادات حية للواقع المعيشي، خلصت إلى أن التحسن المذكور لم يرتد بعد إيجاباً على المواطن المصري ولقمة عيشه اليومية، ملمحة إلى استنزاف الإنفاق العسكري لموارد الدولة.   
على الدوام قدمت فرنسا نفسها راعية للديموقراطية ولحقوق الإنسان. من الطبيعي إذاً أن يثير هذا النوع من العلاقات، مع أنظمة تدور حولها علامات استفهام حقوقية، استهجاناً كبيراً. زيارة القذافي إلى باريس العام 2007 تحولت إلى أزمة حادة، أزمة اشعلتها وزيرة حقوق الإنسان راما ياد التي انتقدت تزامنها مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، معتبرة أن فرنسا ليست سجادة يمسح بها العقيد الليبي جرائمه.
صحيحٌ أن تزامن زيارة ماكرون إلى القاهرة مع الذكرى الثامنة لثورة 25 يناير لم يثر الجدل نفسه، إلا أنها برمزيتها اعادت طرح ذاك السؤال المتجدد: المصالح أم المبادئ؟

حتى اليوم لم ينجح الوسط الإعلامي والسياسي الفرنسي في ترجيح كفة أيٍ منهما، إلا أن البراغماتية كانت ولا تزال تحسم تلقائياً هذه المعضلة: المصالح تتغلب دوماً على المبادئ، ولربما كان أصدق تعبير عن هذا الواقع ما عنونته صحيفة Les échos: باريس والقاهرة توطدان علاقتهما الاقتصادية رغم التباين حيال حقوق الانسان.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها