آخر تحديث:19:15(بيروت)
الإثنين 28/01/2019
share

سامي علوية.. صانع قضية خُمس لبنان

نذير رضا | الإثنين 28/01/2019
شارك المقال :
  • 0

سامي علوية.. صانع قضية خُمس لبنان لم يظهر أي مدير عام في مؤسسة رسمية على الشاشات كما علوية خلال أشهر
يتردد في نطاق واسع في مدينة صور ومنطقتها، أنه بعد ايام على تعيين الدكتور سامي علوية مديراً عاماً للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، توجه الى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في منزله في مصيلح، عارضاً عليه مقطع فيديو لشخص يفرغ المياه الملوثة في مشروع الليطاني في الجنوب. 

شاءت الصدف أن يكون الفيديو ملتقطاً قبل الانتخابات النيابية الأخيرة. فطلب منه بري أن يتحول فوراً الى المدعي العام في الجنوب لاتخاذ القرار القضائي اللازم، "لأنه يتسبب بالسرطان للناس ويجب أن يُحاسب". وبالفعل، سُجن الرجل 47 يوماً، رغم أنه من أنصار حركة "أمل" المعروفين في المنطقة. 

كان التوجيه الحاسم من بري لعلوية، بمثابة غطاء سياسي واسع ليتحرك "دفاعاً عن صحة الناس". رمزية التوقيت قبيل الانتخابات، لم تستدعِ أي استمهال، على ما يقول الناس هنا. وبالتالي، فإن كل تحرك بعده، سيُعالج بالحزم نفسه، حتى وصل الأمر في الشهر الماضي الى هدم المنشآت القائمة بجوار المشروع في منطقة العاقبية الجنوبية أيضاً، رغم المراجعات والتصعيد في الشارع وحرق سيارة احتجاجاً، وقطع الطريق الساحلي العام من قبل مناصرين لـ"حركة أمل"، أحدهم يستفيد من البناء القائم منذ السبعينيات منذ القرن الماضي.

غير أن الغطاء السياسي، ليس كفيلاً بإحالة ملف متجذّر بالفساد والاهمال والمحسوبيات، الى الضوء، ولا بنقل النهر من صفته كـ"مجرور"، الى قائمة الأولويات الوطنية. يحتاج الأمر الى عامل آخر يدفع به الى الضوء، يُضاف الى الارادة، والقدرة على المواجهة. ولا يمكن لشخص واحد، مهما علا شأنه أن ينقل الملف الى هذا المستوى. ولا يمكن لمدير عام معيّن حديثاً، وقادم من التعليم الجامعي في كلية الحقوق، أن يستحيل الشخصية الأبرز في الدفاع عن خُمس سكان لبنان المهددين بالسرطان. 

كان العلاج هو الإعلام. محاولة لتشكيل رأي عام ضاغط، بالتراكم الزمني عبر تكرار الضخّ. في البداية، كان العلاج بالتشهير في مواقع التواصل الاجتماعي، والاضاءة على المخالفات والقرارات والاستنابات القضائية. بدا الأمر على أنه محاولة للضرب في المجهول، بالنظر الى أن القضية برمتها، يلفّها التعتيم والاستسلام. 

انتقدت الاستراتيجية، ومن ضمن النقد، دعوة لاستخدام صلاحيات قانونية، تبين أنها غير مجدية بحكم تشظي المسؤوليات بين الوزارات، وافتقاد المصلحة في النص للكثير من القدرات التنفيذية، بل يعيقها توزع المهام والصلاحيات، في حين يستخدم النافذذون القانون والمراسيم ليستفيد منها المسؤولون عن تلوث الليطاني. وهي حالة عامة في لبنان، يُشار اليها بالقول: "الفساد مقونن". 

مضى علوية في استراتيجية الضغط الاعلامي. بدأ من نطاق ضيق في مواقع التواصل الاجتماعي، لينتقل الليطاني بعد اشهر قليلة الى تقرير ثابت في نشرات الاخبار اليومية: فيديو لمياه الصرف الصحي في مجرى النهر.. تعديات.. شح في المياه.. مواد مسرطنة في مجرى النهر.. وزارات تتقاذف المسؤولية.. استدعاءات قضائية.. تنفيذ أحكام.. جدل حول شخصية مخالفة، وتدخلات سياسية... 

خرج الليطاني كقضية بيئية من اطارها اللبناني الى الشاشات العربية والصحف العاليمة. وفي الداخل، تصدر المشهد كقضية صحية مرتبطة بسلامة الناس ومصدر رزقهم. خلال أشهر من تعيين علوية، بات الشخصية الابرز في نشرات الأخبار والصحف. تكرر اسمه، كما لم يظهر أي مدير عام لأي مصلحة ادارية رسمية قبله على الشاشة. لم يردّ اي صحافي اتصل به، بل واكب الصحافيين بالصور والتقارير ومقاطع الفيديو لحظة بلحظة عبر تطبيق "واتسآب". 

أظهر هذا الضخ أن الإعلام قوة ضغط كبيرة، تتمتع بالاستدامة عندما تتصل بسلامة الناس، وعندما تجد من يجيد استخدامها. لا تستطيع منصات الاعلام التقليدي تجاهل ما بات حديث الناس في مواقع التواصل الاجتماعي. في ذلك، كشف عن قوة اعلامية كامنة، يمكن أن تعمم في ملفات أخرى، بيئية أو صحية أو اجتماعية، لا تقبل القسمة على اثنين، كما في الملفات السياسية والأمنية والقضائية. 

لكن الإعلام الذي يتعاطى مع الملفات بحسب المعلومة المتوافرة، سيتوقف ما لم تكن هناك إرادة للاستمرار في القضية. وعلوية، بهذا المعنى، يمتلك الإرادة والقدرة على المواجهة. كان مدفوعاً بالصورة والدليل والوثيقة لمواجهة المعنيين في الحلقة الاخيرة من برنامج "صار الوقت". 

لم يتوقع كثيرون أن يتحول علوية الى الشخصية الأشهر في العام 2018، على الصعيد المحلي. فالأستاذ الجامعي لمواد القانون، ربما عاب عليه البعض من عارفيه تولي المسؤولية، وبالتالي الاصلاح في قضية فاشلة مسبقاً. هوّل البعض بالقول انها تحتاج الى مليار دولار لتنظيف حوض النهر. وهو ما لم يثبت، عندما بثت صور تظهر ارتفاع منسوب المياه في المجرى والحوض وبحيرة القرعون، وهو دليل على ان النهر قادر على تنظيف نفسه. 

لكن المهمة طويلة، تطاولها متشعبات من أوزان سياسية مؤثرة لملاحقة المخلّين. وهو رهان على موظف شاب، يُعمّم نموذجه لمعالجة ملفات شائكة تحتاج الى غطاء سياسي، سيتوافر إذا توافرت الإرادة، ورأي عام يحركه الإعلام في سبيل الضغط. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نذير رضا

نذير رضا

رئيس قسم الميديا في "المدن"