آخر تحديث:19:37(بيروت)
الثلاثاء 15/01/2019
share

لم أقُل للسترة الصفراء أني لاجئ

معاوية حمود | الثلاثاء 15/01/2019
شارك المقال :
  • 0

لم أقُل للسترة الصفراء أني لاجئ (غيتي)
سبت جديد تظاهرت فيه جموع "السترات الصفر" في فرنسا عموماً، وفي باريس خصوصاً، كان السبت التاسع. المزيد من مقاطع الفيديو تنتشر عبر صفحات التواصل الإجتماعي. لم تشهد فرنسا تكسيراً للمحال التجارية هذه المرة، بل كان الفيديو الأكثر تداولاً في صفحات التواصل الإجتماعي هذه المرة، لمجموعة من المتظاهرين يغنون ويرقصون في ساحة في "سيكراكورت" في مدينة "بورجي" وسط فرنسا، منددين باليمين المتطرف مع إحتجاجهم على سياسات حكومة الرئيس ماكرون في آن معاَ، هو مشهد بعيد تماماً مما رأيناه، السبت الماضي، حينما انتشر مقطع فيديو لملاكم فرنسي يهاجم الشرطة الفرنسية في باريس. 
في يوم السبت هذا، كنت منهكاً في عملي منذ الصباح، منتظراً حلول الساعة الثامنة، لأذهب مع شريكتي لمشاهدة عمل مسرحي. تذاكر حضوره هديتنا لعيد الميلاد من جدّها، وكان قد اختار لنا عرضاً في مسرح المدينة، الواقع قبالة السفارة الأميركية في باريس، تماماً عند الزاوية الفاصلة بين جادة شانزيليزيه وقصر الإليزيه الرئاسي. وعند وصولنا إلى المكان، كان خاوياً من المارة، مكتظاً بعشرات من سيارات الشرطة والعربات المصفحة التي جهزتها الحكومة لمقابلة جموع "السترات الصفر".

وقد أُجِّل العمل المسرحي إلى يوم الأحد، فما كان منَا إلا أن انضممنا لأصدقاء فرنسيين، وكانت خيبتنا بمشاهدة العرض فاتحة لحديث التظاهرات، لتظهر لي كمية الغضب لدى الشارع الباريسي من هذه الإحتجاجات التي عطلت جزءاً من فعاليات يوم السبت لهم، وتسببت بخسارات مادية كبيرة للمحال التجارية، خصوصاً في موسم الأعياد ورأس السنة. فتقول إحداهنّ: "أفهم الإحتجاجات وأفهم أسبابها، لكني لا أستطيع، أنا الموظفة براتبي الجيد، بنت الطبقة الوسطى، أن أشرح لهؤلاء المتظاهرين بأني أُرغمت على التسوّق عبر الإنترنت إبان فترة الأعياد، وهذا ما أكره فعله. لقد دفعت نقودي لشركات لا تدفع ضرائبها في فرنسا". 

وتقول صديقة أخرى بأنها لا تفهم أبداً مطالب هؤلاء "المجهولين"، فهم لا يفقهون شيئاً في السياسة، ويطالبون الدولة بأن تتحمل ما لا طاقة لها به. كيف ستعطيهم الدولة كل متطلباتهم المادية، ومن أين ستدفع لهم؟ وتضيف: "هؤلاء هم الخطر، فهم متطرفون يمينيون ويساريون، يأتون إلى باريس حتى يحتجوا وبينهم من يكسر البنوك ومنهم من يسرق المحال التجارية، فرحون بأنهم يستقلون الحافلات في كل سبت ويتوجهون إلى باريس للتلاقي، ولأجل ساعات من الإثارة تعوّض حياتهم الإجتماعية المملة، ربما من الأجدى لهم أن يخلقوا مناسبات إجتماعية من نوع مختلف لكسر روتين حياتهم". والصديقة تستغرب تماماً الدعوة إلى إستفتاء عام، لا تفهم حول ماذا يريدون الإستفتاء، مضيفة بأنها حاولت سماع بعض مقابلاتهم، التي تبثها بكثرة القنوات الروسية المشهورة بكذبها. 

يعيش الشارع الفرنسي جدلاً كبيراً حول هذا الحراك الشعبي. ويتساءل الشارع، المعتاد على التصنيف اليميني واليساري، عمن يقف خلف هذا الحراك، ما يذكّر بما عايشه الشارع العربي مع تظاهرات وثورات الربيع العربي. وذلك، ربما، عن وعي، وبأثر من اقتناع فعلي بتوجهات الحكومة الحالية. وربما عن نقص معرفة، وفقر سياسي في الشارع الفرنسي الذي انتهى من حقبة التصنيف يميناً ويساراً. وكأن ظهور حزب "الجمهورية إلى الأمام" الحاكم، لم يكن كافياً لفهم أن معارضة هذا الحزب لن تكون تقليدية لأنه هو أيضاً ليس تقليدياً.

يرى الفرنسيون أن صعود اليمين المتطرف اليوم هو الخطر، وبأن هؤلاء المتطرفين يكسبون دائماً باللعب على أوتار الهوية والإحتياجات، حيث مثَل وصول مارين لوبين للدور الثاني من الإنتخابات إنذاراً شديد اللهجة لهم، بالإضافة إلى إستطاعة اليمين الشعبوي في إيطاليا الحصول على دفة الحكم، والحال المشابه نوعاً ما في  النمسا. حتى النازيين الجدد في ألمانيا، عادوا إلى الساحة بعدما كانوا مختفين تماماً من الخريطة السياسية لأكثر من خمسين عاماً.

أتابع، أنا اللاجئ السوري، هذه النقاشات كلها، مقارناً كل ما أرى وأسمع بما يحل في بلادنا. أنزل إلى الشارع وأمشي بالقرب من المظاهرات، أسمع ما يقولون وأدخن سجائري من دون هتاف ولافتات، وربما أكتفي بأخذ صور السيلفي بالقرب من عربات الشرطة، كنوع من التعويض عن الخوف الذي عشته في سوريا من الشرطة، متذكراً مظاهراتنا ومتحسراً على ما آلت إليه أحوالنا. أحاول أن أفهم أكثر، أقترب من أكثر المتظاهرين حماسة، وأوجّه لهم أسئلة عن مطالبهم وما يريدون، معرّفاً عن نفسي بطرق مختلفة، تارة كسائح عربي، وتارة كصحافي عربي، مستفيداً من لهجتي الواضحة في اللغة الفرنسية، وتارة أخرى خائفاً من القول أني لاجئ لجهلي بهوية المسؤول. فمن الممكن أن يكون إنسانياً مرحباً بوجودي كلاجئ بينهم، ويراه الإندماج المتكامل، وربما يكون متطرفاً يراني سبباً لأزمته. 

في إنتظار الحوار الوطني، ربما. أو تظاهرة "الوشاح الأحمر" التي يعدّها المناصرون للحكومة في 27 كانون الثاني الجاري، بين ساحة الجمهورية وساحة الباستيل، صاحبتَي الدلالات الكبيرة، أي الثورة الفرنسية والجمهورية، مقابل الحراك في جادة الشانزيليزيه والأوبرا، رمزَي الرفاهية والأسعار الباهظة، التي لا تعني جموع "السترات الصفر"، بل إنهم يرون لفي هاتين المنطقتين العدو الذي لا يدفع كفاية من الضرائب قياساً بهم. 

في يوم الأحد التالي لـ"السبت التاسع"، ذهبت الى المسرحية المؤجلة، لأنتقل من حديث الشارع، إلى سماع الحوار على خشبة المسرح، وأفاجأ بأن الكادر التمثيلي مواكب الحدث السياسي، وأنهم عدّلوا النصّ: من قصة تحكي كيف لعب اليمين المتطرف على طبقة العمال والشيوعيين وأخذ أصواتهم الإنتخابية، قبل قرون، للحديث عن المشهد الحالي بكيفة محاولة اليمين المتطرف الإستيلاء على هؤلاء المتظاهرين، الذين تم تسويقهم إعلامياً على أنهم متطرفون. وهنا، لم أستطع، أنا اللاجئ السوري، أن أستوعب بأنهم يشجعون على سماع ما يقوله الحراك، على خشبة المسرح المجاور للقصر الرئاسي.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها