آخر تحديث:18:48(بيروت)
الخميس 13/09/2018
share

مِن أوسلو إلى فلسطين: حكايةُ "آنّا" الباحثة عن الحقيقة..بالكاميرا

أدهم مناصرة | الخميس 13/09/2018
شارك المقال :
  • 0

مِن أوسلو إلى فلسطين: حكايةُ "آنّا" الباحثة عن الحقيقة..بالكاميرا الاعلام النروجي متأثر بالأكاذيب الاسرائيلية
"أردتُ منذ البداية أن أعرف الحقيقة بجهدي الشخصي من دون تأثير أو تلقين من أي طرف.. فاكتشفتُ أن ما يجري ليس صراعاً.. وإنما إضطهادٌ للفلسطينيين". هكذا اختزلت المصورة الصحافية النروجية "آنّا" (Ane)، رحلة بحثها عن الحقيقة في الأراضي الفلسطينية على مدار ثلاث سنوات.
من قلب مدينة رام الله، تتحدث عن رحلة الوصول الى الضفة الغربية للمرة الأولى العام 2015، إذ جاءت عن طريق نشطاء فلسطينيين يعملون في مقاومة جدار الفصل العنصري "الإسرائيلي" والإستيطان.

حينذاك، لم تكن "آناّ"، البالغة من العمر 31 عاماً، على دراية بأي شيء حول خلفية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. هي كمعظم الأوروبيين، تعرف أن هناك صراعاً على هذه الأرض، من دون أن تتخذ موقفاً بعينه. 

لكن، يبدو أن تباين النظرة وتناقضها داخل عائلتها إزاء ما يجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كان بمثابة شرارة الإستفزاز لها كي تهيم هذه النروجية على وجهها في أرجاء الديار، باحثةً عن الحقيقة.

ولأنّ "آنّا" كانت تريد معرفة كافة التفاصيل بشكل مجرّد، لم تشفِ غليلها. قررت أن تكون المرحلة الأولى من رحلتها الأولى والتي امتدت ثلاثة اشهر متواصلة، فترة لجمع المعلومات قبل أن تقرر وتتخذ موقفاً. وتحت عنوان عملها لصالح مؤسسات صحافية نروجية مهتمة بأخبار الصراع؛ أخذت تستقصي الحقائق- بمفردها ومن دون تلقين أو تعبئة مِن أحد- قبل أن تقوم بتحليلها والإستنتاج في ما بعد. ولهذا عملت "أنّا" كمصورة "حرّة" مع أكثر من وكالة إخبارية محلية بالنرويج. 
مِن بيت لحم بدأت تغير نظرتها
ولعل التظاهرة الفلسطينية ضد جيش الإحتلال في ذلك المكان القريب من مقطع الجدار الإسرائيلي شمال بيت لحم قبل ثلاث سنوات، كان بمثابة أول واقعة من هذا النوع قد عايشتها المصورة الشّابة القادمة من المملكة الواقعة في الشمال الأوروبي. وقد تزامن هذا الحدث مع تشييع جثمان شهيد فلسطيني. 
"أنّا" ذهبت إلى أعلى فندق "بانكسي" المحاط بالجدار الإسرائيلي، لتراقب ما يجري. فجأة، فُتحت إحدى بوابات الجدار، فتدفق عدد كبير من الجنود الإسرائيليين وأخذوا يطلقون الرصاص بكثافة اتجاه اطفال ترواحت أعمارهم بين 10 و12 عاماً.

تقول "أنّا" لـ"المدن" إنها تعرضت لخطر كاد يودي بحياتها؛ فبينما كانت تلتقط كاميرتها مشاهد عشوائية لما يجري دون استقصاد مشهد بعينه، وثّقت الكاميرا مشهداً انتبهت له لاحقاً بعد انتهاء الحدث، حيث ظهر فيه جنديٌ إسرائيليٌ وقد وجّه مقدمة بندقيته اتجاهها، لكن زميله أجّل إطلاق النار عليها لسبب ما، حتى تحقق ذلك عندما قررت المغادرة على وقع اختناقها جراء القنابل الغازية الإسرائيلية الكثيفة. وتؤكد أن "رصاصة بالفعل انطلقت اتجاه المكان الذي كانت تقف فيه ما أن تحركت منه خلال ثوانٍ".

والواقع، أن ما حدث كان ارهاصاً للشابة النروجية، حينها، ليفتح عينيها على تساؤلات كثيرة، من قبيل: "ما الذي دفع ذلك الجندي الإسرائيلي لإطلاق النار باتجاهي رغم أنه يعلم أن ملامحي تظهر أني أجنبية؟!... ثم، هل من المعقول أن يطلق الإسرائيليون النار على طفل لم يتجاوز عمره 12 عاماً فقط لأنه يلقي حجارة صغيرة عليهم؟!".

قبل ذلك لم تكن "آنّا" صاحبة موقف مسبق، غير أنّ الواقعة صدمتها ودفعتها منذ تلك اللحظة لتفكر باتجاه آخر ومغاير تماماً. وبدأت تنتقل تدريجياً، من حالة "الحياد" إلى مناصِرة ومؤيدة-ضمناً- للفلسطينيين ومتعاطفة معهم؛ ذلك أن الحقائق تجبرها على ذلك، لا أكثر.

وتضيف: "كثّفتُ مشاركتي في التظاهرات الفلسطينية، وبدأت أسأل عن سبب الاحتجاج في كل مرة، فوجدت أسباباً عديدة تقف وراءها. ففي بعض الحالات كان السبب هو سيطرة الاحتلال على مصادر المياه التي تغذي هذه القرية او تلك، ومرة بسبب مصادرة الأراضي الفلسطينية، وأخرى لهدم الإحتلال البيوت الفلسطينية".

ولهذا، اكتشفت الشابة الشقراء أن حقوقاً معيشية وحياتية بامتياز كانت محركاً للتظاهرات والإحتجاجات الفلسطينية ضد الإحتلال الإسرائيلي، مشيرة إلى انها أصبحت تخشى الجنود الإسرائيليين أكثر، خصوصاً وأنه لا قيمة لحياة الفلسطينيين بالنسبة لهم.
الإعلام النروجي لا يخوض في خلفية الصراع
"أنّا" التي تأتي إلى الضفة الغربية للمرة السادسة، تحاول أن تفعل شيئاً للفلسطينيين، عبر توثيق ما يجري بصورها الصحافية، لكن المشكلة في ذلك هي أن محطات التلفزة والوكالات الإخبارية في النرويج كانت تنشر فقط الصور التي تعتبرها "محايدة"، ولا تستفز إسرائيل؛ ذلك أن الأخيرة ستأتي للقائمين على هذه المؤسسات الإعلامية النروجية وتحتج على اي صورة تدّعي أنها تنظر للمشهد بعين فلسطينية وعلى "حساب الإسرائيلي!"، كما تؤكد "أنّا".
وتقول المُصوّرة الصحافية: "في أخبار النروج يذكرون أن فلسطييناً قد قُتل.. لكن لا يذكرون لماذا؟ وما هي الخلفية؟".

وتضرب النروجية "أنّا" أمثلة على حالة الإنفصام في الرسالة الإعلامية النروجية الخاصة بتغطية الأحداث في الأراضي الفلسطينية، نتيجة تأثرها بالأكاذيب الإسرائيلية. وتستذكر هنا واقعة عندما ذهبت لمدينة القدس كي تصور عملية بناء مقطع لجدار الفصل العنصري، لتقوم بإرسال الصور لمؤسستها النروجية، غير أن الأخيرة رفضت نشرها، بحجة أن الإسرائيليين زعموا عدم صحة هذه الصور لأنه تم ايقاف بناء الجدار، وهو الأمر الذي لم يحدث في الحقيقة.

كما وتذكر "أنّا" حدثاً آخر عندما ذهبت الى غزة، فشاهدت البيوت المدمرة اثر الحرب الإسرائيلية ضد القطاع في صيف 2014. ووجدت فلسطينياً وقد بدا بلا أطراف بسبب قصف إسرائيلي أدى أيضاً إلى استشهاد جميع أفراد أسرته.

وعندما التقطت النروجية صوراً لهذا الفلسطيني وأرسلتها لوكالة الأنباء التي تعمل فيها، كان رجعُ الصدى من جهات متعددة في بلادها يتخذ طابع التبرير لإسرائيل، عبر القول "أكيد هو مِن عناصر حماس، ولهذا قصفت إسرائيل".
 
الشابة النروجية لا تخفي شعورها بالحرج عندما يتصل بها أحدٌ من أصدقائها الفلسطينيين، ليسألها عن حالها في العاصمة أوسلو، فتجيب: "أنا بخير، كثير من العمل"، ثم يجبيون هم عن أحوالهم، بالقول: "هدم وقتل واقتحام".. وتصف "أنّا" المفارقة في الإجابيتن بالمحرجة.
الواقع، هي لا تفعل ذلك عبر الصورة فقط، بل وتكشف انها تعمل على اقناع كثير من النروجيين بحقيقة ما يجري هُنا، وتقوم لهذه الغاية، باستقدام واحد أو اثنين من أصدقائها النروييين في كل مرة تأتي فيها إلى الضفة الغربية، من أجل أن يروا الحقيقة بأنفسهم.

وخلال وجودها منقطع النظير في الأراضي الفلسطينية، عملت الشابة النروجية ايضاً على تصوير جثامين الشهداء الذين تتهمهم إسرائيل بتنفيذ عمليات طعن ضد إسرائيليين فتروي قصص أصحابها. بَيدَ أن التحدي كلما أرادت أن تنتقي أسماء معينة لتروي حكايتها، وفق "أنّا"، يكمن في أن قائمة الشهداء تطول، فيما جميعهم يستحقون ذكر حكاياتهم وقصصهم.
وفي السياق، تخاطب "أنّا" الإعلام الغربي: "لا ترى فقط أن شخصاً فلسطينياً قد قُتل، ولكن شاهد الأثر الذي تركه موته".
ما هو مشروعها؟
وحول ما تفكر به مستقبلاً من أجل الفلسطينيين، تكشف الصحافية الثلاثينية أنها تفكر في استقدام اثنين من الرسّامين التشكيليين والكاريكاتوريين من النروج، كي يُجسّدا فكرة مشابهة لفندق "بانكسي" في بيت لحم المشرف على الجدار العنصري (صاحب أسوأ اطلالة على الإطلاق). 
هي تريد منهما أن يرسما لوحة أو جدارية كبيرة في مكان عام بإحدى المناطق الفلسطينية، من شأنها أن تلخص الصراع الحقيقي بطريقة فنية بعد أن يروا الاسباب الحقيقية للإضطهاد على الأرض، مُبينة أنها ستموّل هذا المشروع ولكن دون أن تظهر في الصورة.
الفجوة بين الدعاية.. والواقع
وتقرّ "أنّا" بمدى الفجوة الكبيرة بين الدعاية الإسرائيلية التي تصل إلى النروج، وبين حقيقة الواقع المُعاش هُنا بسبب الممارسات الإسرائيلية. فإسرائيل تروج في حديثها للنروجيين بأنها تراعي حقوق المرأة والإنسان وحتى المثليين... لكن "أنّا" تشدد على أنه "لا أحد يعرف الحقيقة خلف كل هذا!".
وتتابع: "كنت أسمع أعذاراً ومبررات اسرائيلية لقتل الفلسطينيين، كأن يُقال إنهم طعنوا يهوداً او عرضوا الأمن الإسرائيلي للخطر..غير أن أصل الحكاية عكس ذلك".

وتضرب مثالاً على تناقض الرواية الإسرائيلية: فمثلاً يقولون إنهم بنوا جدار الفصل من أجل أمنهم، لكنها، خلال زيارتها، وجدت فيه ثغرات، وقد تمكنت "أنّا" من الدخول إلى القدس عبرها؛ ما يعني أن الهدف من بنائه هو ديموغرافي ولغاية قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها