آخر تحديث:18:28(بيروت)
الأربعاء 11/07/2018
share

بعد فيديو زين الأسد..حدائق دمشق للأغنياء فقط والموالون يصيحون

وليد بركسية | الأربعاء 11/07/2018
شارك المقال :
  • 0

بعد فيديو زين الأسد..حدائق دمشق للأغنياء فقط والموالون يصيحون سوريون على الأرصفة خارج حديقة تشرين (فايسبوك)
على غير العادة، لم تكن الصور المتداولة لزين الأسد، ابنة الرئيس السوري بشار الأسد، في حديقة تشرين العامة، دليلاً على تواضع وبساطة العائلة الحاكمة، فقط. بل كانت تعبيراً عن صراع طبقي يتشكل في البيئة الموالية للنظام، يأتي من إحساس بأن البلاد مع نهاية الحرب تتحول إلى مكان للأغنياء فقط، وتتحكم به طبقة التجار، بعكس الخطاب الرسمي دبلوماسياً وإعلامياً.


وفيما لم يعد الدخول إلى حديقة تشرين، أكبر الحدائق العامة في سوريا، مجانياً، خلال مهرجان "الشام بتجمعنا" الممتد شهراً، على الأقل، شكلت صور زين الأسد ومقاطع الفيديو التي تتجول فيها مع صديقاتها من دون مرافقة شخصية وحراسة، مجالاً لمقارنة لافتة مع صور الفقراء الذين منعوا من دخول الحديقة، للتنفس والتنزه، واضطروا للجلوس على الأرصفة خارج أسوار الحديقة، في مشهد مؤسف.

وتحدث صحافيون موالون للنظام عن أوامر وجهت لوسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، بمنع الحديث بشكل سلبي عن المهرجان والشركات المساهمة فيه، لكن صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، الأكثر شعبوية، مثل "دمشق الآن"، هاجمت السياسة الجديدة لمحافظة دمشق، وشككت في أن يذهب ريع المهرجان إلى أسر "شهداء الجيش السوري"، بل إلى جيوب التجار والمسؤولين الفاسدين، ورفعت شعار "في أول صيف آمن في دمشق .. محافظة دمشق تقرر: إدفَع لتتنفس في حديقة الشعب".



ما لا يستطيع الإعلام الموالي هنا تقديره، أو يُمنع من الحديث عنه، هو مدى التحالف العميق بين النظام السوري وطبقة الأثرياء في دمشق. فالتجار باتوا أصحاب نفوذ هائل في السياسات الاقتصادية والخدمية والمحلية، وتأتي مثل هذه الفعاليات "الصخمة" التي تقام للمرة الأولى خارج إطار معرض دمشق الدولي، كنوع من المكافأة للتجار في العاصمة.

والحال أن التحكم بمقدار الثروة ومعايير والفقر والغنى، كان أسلوباً برع فيه النظام، قبل وصول بشار الأسد إلى السلطة العام 2000، فالدولة السورية قبل ذلك قامت على أسس اشتراكية بحتة، بتقديم خدمات عامة مجانية للمواطنين، بغض النظر عن جودتها، فضلاً عن الدعم المقدم على المواد الأساسية مثل الخبز أو الأسمدة والمحروقات وغيرها. لكن ذلك تغير في الألفية الجديدة، مع تحول النظام نحو اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي يعني الخصخصة والميل نحو الليبرالية مع احتفاظ الدولة بصلاحيات واسعة على الشركات، ما أدى إلى ظهور تكتلات اقتصادية تحكم البلاد، كشركات رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد.


هذا الخلل في التوازن السابق الذي قام عليه النظام، فضلاً عن تغير الظروف المناخية، أثّر بشكل عميق في الريف السوري والطبقة الوسطى في المدن، وأدى تدريجياً لمحو الخط الفاصل بين الفقر والجوع. ففيما يبقى الأول مبرراً ضمن سياق الحياة الطبيعية والدينية والمؤامرة الكونية التي يروج لها إعلام النظام ومؤسساته، يشكل الثاني سبباً للاستياء والنقمة والشعور بالظلم، وكان ذلك سبباً أساسياً في الثورة السورية بغض النظر عن الأسباب السياسية التي تبنتها الطبقات النخبوية لاحقاً بعد العام 2011.

والحال أن طبقة التجار في دمشق تحديداً لعبت دوراً بارزاً في موازنة الفجوة بين الفقر والجوع، بعد الثورة السورية، عبر المعونات الاجتماعية والتعويضات التي تم تقديمها للموالين كأعمال خيرية "غير رسمية"، ومنع ذلك تحويل استيائهم إلى موقف معارض، في فترة كانت الثورة السورية تحقق انتصارات واسعة جعلت المعارضين حينها يسيطرون على مناطق واسعة في البلاد.

وفيما يوصف الوضع الاقتصادي الحالي من قبل الموالين بأنه "اقتصاد ما بعد الحرب" الذي يحصل فيه التجار والشركات على نفوذ واسع، يجب القول أنه ليس إلا الاقتصاد الذي سعى إليه بشار الأسد منذ وصوله للسلطة، لكنه بات يأخذ شكلاً فجاً من دون الحاجة لتجميله أو الالتفاف عليه أمام الشعب، الذي يجب عليه الرضا بما هو موجود طالما أن الحرب نفسها تشكل سياقاً سطحياً وجاهزاً للفروقات الطبقية الحالية، تلجأ إليه "الدولة السورية" لتبرير تراجعها الكامل عن أي دور سابق لموازنة السوق.

يظهر ذلك بشكل أو بآخر في تعليقات الموالين على المشهد في دمشق، والذين تحدثوا عن زوال الطبقة الوسطى، إلى جانب صدمتهم من رؤية الفقراء على الأرصفة، وهو مشهد لم يكن مألوفاً في حقبة حافظ الأسد مثلاً، لأن الجميع كانوا متساويين في الفقر حينها. لكن استذكار "القائد الخالد" هنا لا يعني نقداً لابنه بشار، بقدر ما يشكل نقداً للمسؤولين المحيطين به وللأثرياء الذين باتوا "يتفاخرون" ولا يراعون مشاعر الآخرين، وتجلى ذلك بالتعليقات التي هاجمت الحديث عن الطبقية في سوريا، لأن "من حق الأغنياء التمتع بوقتهم بعد سنوات طويلة من الإرهاب".



ووصفت التعليقات، وزارة السياحة والتجار، بأنهم "داعش الداخل"، وتذكر البعض السرقات القديمة من طرف وزارات "الحكومة"، كوزارتي المالية والداخلية بشكل خاص، فيما قال أحدهم: "شعب قاوم ٨ سنين هيك بيتكافى من الدولة، انو تعوض خسارتها وتبيعو شمة الهوا؟؟؟ بس كيف ما بدن يشمتوا فينا يلي كانو ضد النظام ويقولولنا شوفو نظامكن يلي وقفتوا معو كيف عم يكافيكن بعد ٨ سنين، يا حكومة يا محترمة، الله لا يسامحك يا نصابة يا حرامية مع احترامي لسيادة الرئيس المستثنى من هالتعليق".

ويجب القول أن حفاظ الموالين على موقفهم السياسي الداعم للنظام يجعلهم يفرّقون بين النظام السياسي وبين الحكومة بشكل غير مفهوم، وهو ما يمكن وصفه باللغز الأكبر ضمن سياق الحرب السورية. أي أن الموالين يمتلكون معاناة المعارضين نفسها، مع "الحكومة"، على المستوى المعيشي والظروف الاقتصادية والخدمية والفساد، لكنهم يتنافرون عنهم في الموقف السياسي. فبينما ثار المعارضون على هذا الواقع البشع من أجل تغييره إلى الديموقراطية، مازال الموالون ينظرون إليه بشيء من القصور أو الإنكار لاعتبارات مختلفة، اقتصادية واجتماعية وأمنية، ومؤمنين، على أفضل تقدير، بأن النظام نفسه قابل للإصلاح، رغم كل شيء!  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها