آخر تحديث:08:14(بيروت)
السبت 09/06/2018
share

بين ريتا وعيوني.. تأشيرة وجنسيّة

عدنان نعوف | السبت 09/06/2018
شارك المقال :
  • 0

بين ريتا وعيوني.. تأشيرة وجنسيّة
- "بدي سافر واستقر بقا لو بدي اضطر اتجوز يهوديّة! أصلاً لو في عدل بهالكون ما كنت بقعد ساعة هون!".


كرَصاصٍ عشوائيٍّ في الهواء، أطلقَ الشاب السوري غريب العلباوي بعض الكلمات المخزّنة في صَدْره كي لا ينفجر قهراً. جرى ذلك خلال تصفّحه موقعاً خاصّاً بالمُواعدة والزواج على الإنترنت. كان يَأملُ باقتناص صيدٍ ثمين. امرأةٍ تتزوّجه وترسل له فيزا، فتنتشلهُ من واقعه المزري وظروفه السيّئة في تركيا.

راحَ غريب يُحاور نفسه في جدلٍ داخليّ يطفو كلاماً منطوقاً أحياناً. لكنّ هذا الجدل تجاوزَ ثنائيّة العقل والشعور المعتادة، فمهارات المساومة تخاطبُ بعضها البعض، وعُقَدُ النقص والانتقام والخوف تتفرّج، أو تتسلّى بمناوشة وتعذيب الضمير المختبىء تحت طاولة التفاوض.

أثناء بحثه صادفَ غريب العلباوي فتاةً ثلاثينية ملامحُها ذكوريّة بعض الشيء. "لن أخاطِرَ بمحادثتها، فربما يكون خلفَ هذا الحساب شخصٌ مُتحوّل جنسيّاً كالذين نشاهدهم أحياناً عند نهاية شارع فندق زاده، أو في الأزقة المتفرعة من شارع الاستقلال. يكفيني ما أصاب ذَوقي من تخريب. باتت رغباتي مشوّهة. بل تكاد تنعدم".

شيئاً فشيئاً لم يَعُدْ الشاب يبالي بالخصائص الجماليّة، وبدا وكأنه تحت تأثير مادّة مخدّرة، فقد كانت عيناه تزوغان عن صُوَر الفتيات في الموقع، لتصبح معلّقة بأعلام الدول التي تعلو الصُوَر.

"هذه هي الجنّة التي لم تتحدّث عنها الأديان. أيُّ حُوْرٍ عِينٍ قد يُضاهينَ جمال هذا المشهد!.. أشعرُ أني محاطٌ بسفارات جميع الدول، وما عليّ إلا أن أجرب حظّي وأختار".

مِنْ صفحةٍ إلى أخرى، كان غريب ينتقل بسرعة كي يكسب الوقت لرؤية أكبر عدد من الحسابات الشخصيّة. كما سعى لتجنّب تكرار تجاربه الفاشلة، كالتعرّف على فلبينيّات وسواهنّ ممّن يَسعينَ لفُرَص حياة أفضل باستخدام هذه المواقع.

- "هالبنت سمارها حلو. بس من وين هي؟ ليبية! يا عيني! سوري وليبية! ههههه حظ المتعوس مع خايب الرجا!...... وهي شو؟ لبنانية. هي بتعطيني الجنسيّة يا ترى؟ هادا إذا مشي الحال أصلاً. بكرا بيطلع حدا من عيلتها عندو ذكريات بشعة مع جنود سوريين. حتى لو سميت الوصاية السورية ع لبنان احتلال، ما ح يقبلو يعطوني".

تسَكّعَ غريب أكثرَ فأكثر في الموقع كباحثٍ عن الذهب بين أكداس الحِليّ المزيّفة. توقّف عند حساب لامرأة في الخمسين من عمرها. "صحيحٌ أنّها أكبر منّي بعشرين سنة، لكنّها كنديّة. ماذا لو أحبتني وأحببتها؟ الحبّ لا يعرف عمراً".  قال ذلك لنفسه وأرسل لها رسالة لكنها لم تردّ، فتجاهل الأمر ومضى نحو أُخرى. ثمّ وصلَ إلى حيث لم يكن يتوقّع. شقراء إسرائيليّة تُدعى هيلدا، كتَبتْ عن نفسها بالعبريّة أنّها :"فتاة ذكيّة وعاطفية تَعرِف متى تكون طفوليّة ومتى تصبح خطيرة عند الضرورة".

حَاول غريب أن يقفز فوق ذاته. فوق موروثه السوري وأفكاره المتضاربة. فوق نجمة داوود التي تَعلّم أن يَضعَها على طائرة أو دبابة محترقة في رسوماته المدرسيّة عن حرب تشرين.

" لكنّهم بشرٌ مثلنا. أم ماذا؟" تساءلَ لبُرهَة ثم تابع: "هل البحث عن الخلاص في امرأة من دولة الاحتلال يُعدّ خيانة للدم الفلسطيني؟ أم أنّ الأمر لا ينطبق على رَجُلٍ من سوريا؛ دولة الاحتلالات؟".

شَعَرَ غريب بأنه كُرَةٌ بين أقدام تناقضاته الداخليّة، فاستعجلَ رسْم النهايات الأفضل له متسائلاً "ماذا لو كان لدى هذه المرأة جنسيّة أخرى؟ قد تأخذني لنعيش في بلد أوروبي بعد زواجنا!".

استمرّ بنسج الخيالات ولاذَ بالمزيد من الأسئلة والتبريرات من دون أن يَجرُؤَ على مراسَلة هيلدا. تخيّلَ نفسه في بادىء الأمر وقد تحوّل إلى مادة دسمة في إعلام نظام الأسد. "سَيُقال عنّي إنني مِمّن باعوا وطنهم بالدولارات والامتيازات. ما أظرف بائع الجولان؛ حارس الحدود الأمين عندما يُخوِّنُنَا هههههه !.

توقّفتْ أفكارُ غريب عن التدفّق لِلَحظة ثم استأنفت: "ايييه.. كمْ سيكون أمراً مثيراً لو حظيتُ يوماً ما برحلة استجمام على ضفاف بحيرة طبرية! سأكون كمَنْ ينتشي بصرِف بعضٍ من ثروة الأب القائد. كمَنْ يستفيد من صفقاتٍ جاءت بفضل ما يسمّونه حِنكة الأسد. يَبيعون الأرض والقضيّة من أجل الكرسي فيقال عنهم محنّكون. نُحاول نحنُ النجاة من جهنّمهم فيقال عنّا خونة!".

- "حنكة الأسد؟! أي والله عاشت أسامي صفاتك يا بو باسل!!".

بكثير من السُخرية عَلَا صوت غريب العلباوي بعد مونولوج صامتٍ طويل، وتابع:

- "ع قولة الست أسماء: وين كنا وين صرنا؟! عنجد وين كنا ووين صرنا بسببكن. طعميتونا الوطنية شعارات حتى صار البعد عنكم إنجاز..لو كان ع الهفااا".

مَرَّ الوقت وغريب يتفحّص حساب الفتاة الإسرائيلية حتّى بات أكثرَ استعداداً لقرع باب المغامرة، فوجدَ نفسه وهو يتقمّص شخصية الشاعر محمود درويش، مستلهماً قصّة حبّه مع "ريتا" (تمار بن عامي)، فتمتمَ  ببعضٍ من تلك القصيدة الشهيرة بعد أن عبثَ بها: "بين هيلدا وعيوني بندقيّة.... والذي يعرف هيلدا.. ينحني ويصلّي.............".

أنهى فاصله الشِعريّ هذا ثم بدأ بمحادثة الفتاة، فأرسل لها سلاماً بالعبريّة مستعيناً بخدمة الترجمة على غوغل:

- ...

انتظرَ غريب قليلاً بعد الرسالة الأولى ليأتيهِ الردّ المفاجِىء:

- "أهلا أهلا! بتقدر تحكي لغة تانية متلي..عربي مثلاً؟"

- اي اي!! بس انتي كيف بتعرفي؟"

- "أنا أصولي سوريّة من حي الأمين بدمشق. وانتا من وين؟ حسابك عليه علم تركيا!"

- "أنا سوري.. بس مو من الشام"

- "آه! من سوريااااا... يا خاين.. وجاي تطبق صهيونيات! انت خادم عسكرية يا عميل؟ انشالله بتوقع بين دياتنا شي يوم يا واطي...وع قولة العميد عصام، الله يرحم ترابو: "نصيحة من هالدقن لا حدا منكم يرجع".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها